زُهْدُ الْعَارِفِينَ ، وَعَلَامَةُ زُهْدِ الْمُقَرَّبِينَ ، وَهُوَ الزُّهْدُ فِيمَا سِوَى اللَّهِ مِنْ دُنْيَا وَجَنَّةٍ وَغَيْرِهِمَا إذْ لَيْسَ لِصَاحِبِ هَذَا الزُّهْدِ إلَّا الْوُصُولُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْقُرْبُ مِنْهُ ، وَالْحَامِلُ عَلَى الزُّهْدِ أَشْيَاءُ مِنْهَا اسْتِحْضَارُ الْآخِرَةِ وَالْحِسَابِ ، { لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَارِثَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثَةُ ؟ قَالَ أَصْبَحْتُ وَاَللَّهِ مُؤْمِنًا حَقًّا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اُنْظُرْ مَا تَقُولُ فَإِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ إيمَانِكَ ؟ قَالَ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى الدُّنْيَا فَاسْتَوَى عِنْدِي حَجَرُهَا وَذَهَبُهَا ، وَسَهِرْتُ لَيْلِي وَظَمَّأْتُ نَهَارِي وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى عَرْشِ رَبِّي بَارِزًا وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ يَتَمَتَّعُونَ وَإِلَى أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ يُعَذَّبُونَ قَالَ يَا حَارِثَةُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى رَجُلٍ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ فَلْيَنْظُرْ إلَى هَذَا } وَمِنْهَا اسْتِحْضَارُ أَنَّ لَذَّاتِهَا شَاغِلَةٌ لِلْقُلُوبِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَمُوجِبَةٌ لِطُولِ الْحَبْسِ وَالْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ وَالسُّؤَالِ عَنْ شُكْرِ النِّعَمِ ، وَمِنْهَا كَثْرَةُ الذُّلِّ وَالتَّعَبِ فِي تَحْصِيلِهَا وَسُرْعَةُ تَقَبُّلِهَا وَمُزَاحَمَةُ الْأَرْذَالِ عَلَيْهَا ، وَمِنْهَا حَقَارَتُهَا عِنْدَ اللَّهِ ، وَعَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَعْقَلِ النَّاسِ فَإِنَّهُ يَصْرِفُ فِي الزُّهَّادِ لِأَنَّهُمْ انْقَادُوا لِلْعَقْلِ وَلَمْ يَغْتَرُّوا بِالْأَمَلِ .