قال أبو إسحاق: والأجود الكسر؛ لأن الأصل أَرْئنا، فالكسرة في الراء إنما هي كسرة همزة، أُلقيت فَطُرحت حركتها على الراء، فالكسرة دليلُ الهمزة، وحذفُها قبيحٌ، وهو جائزٌ على بُعدٍ؛ لأن الكسرةَ والضمةَ تُحذفانِ استثقالًا؛ كقولهم في فَخِذٍ: فَخْذٌ، وفي عَضُدٍ: عَضْدٌ، وقد ذكرنا هذا بأبلغ من هذا الشرح فيما تقدم.
وقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ} قال ابن عباس: أي: الراجع بأوليائه وأهل طاعته إلى أفضل دينه.
129 -وقوله تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا} قال ابن عباس: يريد: في ولدي، والكناية تعود إلى الذرية أو إلى الأمة في قوله: {أُمَّةً مُسْلِمَةً} ، وكلاهما ولد إبراهيم، وهم العرب.
وقوله تعالى: {رَسُولًا مِنْهُمْ} قال ابن عباس: يريد محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ،
فاستجاب الله دعاءه، وبعث فيهم رسولًا من أنفسهم، محمدًا سيد الأنبياء، لذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إني عند الله في أمِّ الكتاب لَخَاتَمُ النبيين، وإن آدم لمُنجدِلٌ في طِينَتِه، وسوف أنبئكم بتلك دعوة أبي إبراهيم {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ} . الآية، وبشارة عيسى قومه: {وَمُبَشِّرَا بِرَسُولٍ} [الصف: 6] ، ورؤيا أمي، التي رأت أنه خرج منها نورٌ أضاءت له قصورُ الشام".
وقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} قال ابن عباس: يريد القرآن الذي أنزل عليه، وما فيه من الفرائض والأحكام والسنن وشرائع النبيين.
فعلى هذا الحكمة: هي نفس الكتاب، وجُمع بينهما لاختلاف اللفظين. والحكمة في اللغة: فهم المعاني، وبه قال مجاهد، فإنه قال: يعني بالحكمة فهم القرآن.
وقال عبد الله بن مسلم: هي العلم والعمل، ولا يسمى الرجل حكيما حتى يجمعهما. سمعت الثعلبي - رحمه الله - يقول: سمعت البياري يقول: سمعت السِّيرافي يقول: سمعت ابن دُرَيدٍ يقول: كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قَبيحٍ فهي حكمة.