الإضلالِ والهدايةِ فحذفَ المصدرُ وأقيمَ وصفُه مقامَه ثم قدمَ على الفعلِ لإفادةِ القصرِ فصارَ النظمُ مثلُ ذلكَ الإضلالِ وتلك الهدايةِ يضلُّ الله منْ يشاءُ إضلالَه لصرفِ اختيارِه إلى جانبِ الضلالِ عندَ مشاهدتِه لآيات الله الناطقة بالحق ويهدي من يشاء هدايته لصرف اختياره عن مشاهدة تلكَ الآياتِ إلى جانبِ الهُدى لا إضلالاً وهدايةً أدنى منهما.
{وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ} أيْ جموعَ خلقهِ التي من جُمْلتِها الملائكةُ المذكورونَ {إِلاَّ هُوَ} إِذْ لا سبيلَ لأحدٍ إلى حصر الممكناتِ والوقوفِ على حقائِقها وصفاتِها ولوْ إجمالاً فضلاً عن الاطلاع على تفاصيل أحوالِها من كمٍ وكيفٍ ونسبةٍ {وَمَا هِىَ} أي سقرُ أو عدةُ خزنتِها والآياتُ الناطقةُ بأحوالِها {إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ} إلا تذكرةً لهم.
كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)
{كَلاَّ} ردعٌ لمن أنكرهَا أو إنكارٌ ونفيٌ لأن يكونَ لهم تذكرٌ {والقمر * واليل إِذْ أَدْبَرَ} وقُرِىءَ إذْ دَبَر بمعنى أدبرَ كقَبِلَ بمَعْنى أَقْبَلَ ومنْهُ قولِهم صارُوا كأمسِ الدابرِ قيل: هُو من دَبِرَ الليلُ النهارَ إذَا خلفَهُ {والصبح إِذَا أَسْفَرَ} أي أضاءَ وانكشفَ {إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر} جوابٌ للقسمِ أوْ تعليلٌ لكَلاَّ والقسمُ معترضٌ للتوكيدِ ، والكُبرَ جمعُ الكُبْرى جعلتْ ألفُ التأنيثِ كتائِها فكَما جُمعتْ فُعْلَة على فُعَلٍ جُمعتْ فُعْلَى عَليها ونظيرُها القواصعُ في جمعِ القاصِعاءِ كأنها جمعُ قاصعةٍ أي لإِحْدى البَلايا أو لإِحْدَى الدَّواهِي الكُبرَ على مَعْنى أنَّ البلايا الكبرَ أو الدواهِيَ الكبرَ كثيرةٌ وهذهِ واحدةٌ في العظمِ لانظيرةَ لَها.