وقريب من هذه الاستعارة استعارة السبح لجري الفرس دون كلفة في وصف امرئ القيس الخيل بالسابحات في قوله في مَدح فرسه:
مُسحَ إذا ما السابحات على الوَنى...
أثْرْنَ الغُبار في الكَديد المركَّل
فعبر عن الجاريات بالسابحات.
وفسر ابن عباس السبح بالفراغ ، أي لينام في النهار ، وقال ابن وهب عن ابن زيد قال: فراغاً طويلاً لحوائجك فافرغ لدينك بالليل.
والطويل: وصف من الطول ، وهو ازدياد امتداد القامة أو الطريق أو الثوب على مقاديرِ أكثرِ أمثاله.
فالطول من صفات الذوات ، وشاع وصف الزمان به يقال: ليل طويل وفي الحديث"الشتاء ربيع المؤمن قصر نهاره فصامه وطال ليله فقامه"
وأما وصف السَّبح بـ (طويل) في هذه الآية فهو مجاز عقلي لأن الطويل هو مكان السبح وهو الماء المسبوح فيه.
وبعدَ هذا ففي قوله {طويلاً} ترشيح لاستعارة السَّبح للعمل في النهار.
وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8)
عطف على {قم الليل} [المزمل: 2] وقصد بإطلاق الأمر عن تعيين زمان إلى إفادة تعميمه ، أي اذكر اسم ربك في الليل وفي النهار كقوله: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً} [الإنسان: 25] .
وإقحام كلمة {اسم} لأن المأمور به ذكر اللسان وهو جامع للتذكر بالعقل لأن الألفاظ تجري على حسب ما في النفس ، ألا ترى إلى قوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول} [الأعراف: 205] .
والتبتل: شدة البتل ، وهو مصدر تبتّل القاصر الذي هو مطاوع بَتَّله ف {تبتل} وهو هنا للمطاوعة المجازية يقصد من صيغتها المبالغة في حصول الفعل حتّى كأنه فعله غيره به فَطاوعه ، والتبتل: الانقطاع وهو هنا انقطاع مجازي ، أي تفرغ البال والفكر إلى ما يرضي الله ، فكأنه انقطع عن الناس وانحاز إلى جانب الله فعدي بـ"إلى"الدالة على الانتهاء ، قال امرؤ القيس:
منارة مُمْسى راهب متَبَتِّل...