فَنَصَبَ الْعُيُونَ لِاتِّبَاعِهَا الْحَوَاجِبَ، وَهِيَ لَا تُزَجَّجُ، وَإِنَّمَا تُكَحَّلُ، فَأَضْمَرَ لَهَا الْكُحْلَ، كَذَلِكَ يُضْمَرُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَحْسُنُ فِيهِ آمَنَّا صَدَّقْنَا وَآمَنَّا وَشَهِدْنَا. قَالَ: وَبِقَوْلِ النَّصْبِ قَوْلُهُ: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ} فَيَنْبَغِي لِمَنْ كَسَرَ أَنْ يَحْذِفَ أَنْ مِنْ لَوْ لِأَنَّ أَنْ إِذَا خُفِّفَتْ لَمْ تَكُنْ حِكَايَةً. أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: أَقُولُ لَوْ فَعَلْتَ لَفَعَلْتُ، وَلَا تَدْخُلُ أَنْ.
وَأَمَّا الَّذِينَ كَسَرُوهَا كُلُّهُمْ وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَقُولُونَ: وَإِنْ لَوِ اسْتَقَامُوا فَكَأَنَّهُمْ أَضْمَرُوا يَمِينًا مَعَ لَوْ وَقَطَعُوهَا عَنِ النَّسَقِ عَلَى أَوَّلِ الْكَلَامِ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ إِنْ لَوِ اسْتَقَامُوا؛ قَالَ: وَالْعَرَبُ تُدْخِلُ أَنْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعَ الْيَمِينِ وَتَحْذِفُهَا، قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
فَأُقْسِمُ لَوْ شَيْءٌ أَتَانَا رَسُولُهُ ... سِوَاكَ وَلَكِنْ لَمْ نَجِدْ لَكَ مَدْفَعَا
قَالُوا: وَأَنْشَدَنَا آخَرُ:
[البحر الوافر]
أَمَا وَاللَّهِ أَنْ لَوْ كُنْتَ حُرًّا ... وَمَا بِالْحُرِّ أَنْتَ وَلَا الْعَتِيقِ
وَأَدْخَلَ أَنْ مَنْ كَسَرَهَا كُلَّهَا، وَنَصَبَ {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} فَإِنَّهُ خَصَّ
ذَلِكَ بِالْوَحْيِ، وَجَعَلَ وَأَنْ لَوْ مُضْمَرَةً فِيهَا الْيَمِينُ عَلَى مَا وَصَفْتُ.
وَأَمَّا نَافِعٌ فَإِنَّ مَا فُتِحَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ رَدَّهُ عَلَى قَوْلِهِ: {أُوحِيَ إِلَيَّ} وَمَا كَسَرَهُ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ الْجِنِّ. وَأَحَبُّ ذَلِكَ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ بِهِ الْفَتْحَ فِيمَا كَانَ وَحْيًا، وَالْكَسْرَ فِيمَا كَانَ مِنْ قَوْلِ الْجِنِّ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْصَحُهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَأَبْيَنُهَا فِي الْمَعْنَى، وَإِنْ كَانَ لِلْقِرَاءَاتِ الْأُخَرِ وُجُوهٌ غَيْرُ مَدْفُوعَةٍ صِحَّتُهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) }
يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ النَّفَرِ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا} وَهُوَ إِبْلِيسُ.