الثاني: أنَّه تعالى حكى عن أولئك المتبوعين أنهم كان لهم مال وولد، فلعلهم قالوا لأتباعهم: إن آلهتكم خير من إله نوح، لأن آلهتكم يعطونكم المال والولد، وإله نوح لا يعطيه شيئًا لأنه فقير، فبهذا المكر صرفوهم عن طاعة نوح، وهذا مثل مكر فرعون إذ قال:
{أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ} وقال: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ} .
ومع كل هذا كان الدعاء على الظالمين، ولو كان في هذا الدعاء إجحافًا لما استجاب الله له، فهل يقر الله الباطل ويعلي شأنه؟
الوجه الخامس: بيان تكذيب قوم نوح له، وبيان عاقبة المكذبين.
قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) } [الشعراء: 105] ، وقال تعالى: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) } (الفرقان: 37) ، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59) } [القصص: 59] .
والله - عَزَّ وَجَلَّ - لا يهلك إلا بالعصيان؛ قال تعالى: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) } [الحاقة: 10] ، وقال تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) } [الأنعام: 10] ، وغير ذلك من الآياتِ؛ وهي كثيرة.
الوجه السادس: ما دعا نوح على قومه إلا بعد أن أعلمه الله أنهم لا يؤمنون.
فهذا دعاء عليهم بعدما أعلم الله نوحًا أنهم لا يؤمنون؛ وهو قوله: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: 36] .
الوجه السابع: أنَّ للآية الكريمة عدة معانٍ يصح حمل الآية على أي معنى منها.