ما وجه التعلق والمناسبة بين الكلامين ؟ قلنا يبين ذلك ببيان المراد من قوله {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً} فبعض المفسرين قال أم يريدون أن يكيدوك فهم المكيدون ، أي لا يقدرون على الكيد فإن الله يصونك بعينه وينصرك بصونه ، وعلى هذا إذا قلنا بقول من يقول {أَمْ عِندَهُمُ الغيب} [الطور: 41] متصل بقوله تعالى: {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون} [الطور: 30] فيه ترتيب في غاية الحسن وهو أنهم لما قالوا {نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون} قيل لهم أتعلمون الغيب فتعلمون أنه يموت قبلكم أم تريدون كيداً فتقولون نقتله فيموت قبلنا فإن كنتم تدعون الغيب فأنتم كاذبون ، وإن كنتم تظنون أنكم تقدرون عليه فأنتم غالطون فإن الله يصونه عنكم وينصره عليكم ، وأما على ما قلنا إن المراد منه أنه صلى الله عليه وسلم لا يسألكم على الهداية مالاً وأنتم لا تعلمون ما جاء به لولا هدايته لكونه من الغيوب ، فنقول فيه وجوه الأول: أن المراد من قوله تعالى: {أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً} أي من الشيطان وإزاغته فيحصل مرادهم كأنه تعالى قال أنت لا تسألهم أجراً وهم يعلمون الغيب فهم محتاجون إليك وأعرضوا فقد اختاروا كيد الشيطان ورضوا بإزاغته ، والإرادة بمعنى الاختيار والمحبة ، كما قال تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ} [الشورى: 20] وكما قال: {أأئفكا ءالِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ} [الصافات: 86] وأظهر من ذلك قوله تعالى: {إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ} [المائدة: 29] الوجه الثاني: أن يقال إن المراد ، والله أعلم أم يريدون كيداً لله فهو واصل إليهم وهم عن قريب مكيدون ، وترتيب الكلام هو أنهم لما لم يبق حجة في الإعراض فهم يريدون نزول العذاب بهم والله أرسل إليهم رسولاً لا يسألهم أجراً ويهديهم إلى ما لا علم لهم ولا كتاب عندهم وهم يعرضون ، فهم يريدون إذاً أن يهلكهم ويكيدهم ، لأن الاستدراج