فهو لم يجعله بعد ولكن ذكره بصيغة اسم الفاعل للدلالة على أن الأمر حاصل لا محالة، فكأنه تم واستقر وثبت.
ومثله قوله تعالى لنوح: {وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} [هود 37]
فلم يقل: سأغرقهم، ولكنه أخرجه مخرج الأمر الثابت، أي كأن الأمر استقر وانتهى.
ومثله قوله تعالى في قوم لوط: {وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ} [العنكبوت 31] .
هذا وقد استعمل القرآن الفعل والاسم استعمالا فنيا من ذلك:
1 -قوله تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [الأنعام 95]
فاستعمل الفعل"يخرج"مع الحي لأن أبرز صفات الحي الحركة والتجدد فجاء بالصيغة الفعلية الدالة على الحركة والتجدد.
واستعمل الاسم"مخرج"مع الميت؛ لأن الميت في حالة همود وسكون وثبات، فجاء بالاسم الدال على الثبات.
أما ما جاء في آل عمران من التعبير بالفعل في الحالتين في قوله تعالى: {وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ 27} لأن السياق في آل عمران هو في التغيير والحدوث والتجدد عموما: فالله يؤتي ملكه من يشاء، ويعز من يشاء أو يذله، ويغير الليل والنهار، ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، وغير ذلك من الأحداث، فالسياق كله حركة وتغيير وتبديل فجاء بالصيغة الفعلية الدالة على التجدد والتغيير والحركة.
أما السياق في سورة الأنعام فمختلف إذ هو في صفات الله وقدرته وتفضله على خلقه.