قوله تعالى {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي الذين يتخردلون بهمومهم الصافية عن غبار الخليفة يتقلبون في جنان القربة ويعيشون بنسيم الوصلة ويشربون من عيون المعرفة شراب المحبة {آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ} أي من لطائف المقامات وغرائب الدرجات في الدنيا لهم الكرامات وفى الآخرة لهم المداناة ثم ذكر سبب وصولهم إليها فقال {إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ} أي باذلين وجودهم لله شوقا إلى الله ثم زاد في وصفهم بانهم باتوا في ظلم الليالى لتفقد الواردات وطلب المكاشفة بقوله {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} يهجدون في اجواف الليالى بطيب مناجاتهم وحلاوة مراقباتهم ولذة انبساطهم وعربدتهم على بساط الاحتشام حيث يسمعون لطائف الالهام والخطاب والكلام فيا لها من عبراتهم ويا لها من زفراتهم ويا لها من شهقاتهم ويا لها من لذة تلفظهم بالشطحيات وغرائب الكلمات الإلهيات وهذا من كمال عشقهم وغلبات محبتهم وشوقهم لا يقدرون أن يناموا في مضاجعهم من لذة الإنس بالله ووجدان قرة عيونهم من نور مشاهدته حيث قال في وصفهم فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة اعين اين أنت يا صاحبى من سقوطهم وتمرغهم في التراب لو رايت عيونهم الباكية لترى فيها دمار اكبادهم الله يعمل أسرارهم حيث هيجهم بشوقه وعشقه إلى قربه حتى لم يناموا على فرشهم مثل البطالين والغافلين وانشدنهارى نهار الناس حتى إذا بدا إلى الليل هزتنى إليك المضاجعأقضي نهارى بالحديث وبالمنى ويجمعنى والهم بالليل جامعثم وصفهم الله بأنهم مستغفرون بالاسحار وذلك انهم إذا رجعوا من مقام المشاهدة إلى مقام المراقبة يستغفرون الله من الزلات والخطرات قبل المداناة وعند المكاشفات من المعارضات بقوله {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} ثم زاد في وصفهم انهم بذلوا مالهم في سبيل الله لمن سأل منهم ولمن لم يسأل بقوله {وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ} قال سهل المتقى في الدنيا في جنات الرضا يتقلب وفى عيون الإنس يسبح وقال في قوله كانوا قليلا من الليل ما يهجعون لا يغفلون عن الذكر في حال وقال بعضهم ذاقوا حلاوة الإنس في الذكر فتهجدوا