{وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرونُ} : أخبر عنهم أنهم - مع تهجدهم ودُعائهم - يُنْزِلون انفسَهِم في الأخار منزلةَ العاصين ، فيستغفرون استصغاراً لِقدْرِهم ، واستحقاراً لِفِعْلهم.
والليلُ... للأحباب في أُنْس المناجاة ، وللعصاة في طلب النجاة. والسهرُ لهم في ليلايهم دائماً ؛ إمّا لفَرْظِ أَسَفٍ أولِشدَّةِ لَهَفٍ ، وإمَّا لاشتياقٍ أو لفراقٍ - كما قالوا:
كم ليلةٍ فيك لا صباحَ لها... افنْيَتُهَا قابضاً على كبدي
قد غُصَّت العينُ بالدموعِ وقد... وَضَعْتُ خدي على بنان يدي
وإمّ لكمال أُنْسٍ وطيب روح - كما قالوا:
سقى اللَّهُ عيشاً قصيراً مضى... زمانَ الهوى في الصبا والمجون
لياليه تحكي انسدادَ لحاظٍ... لَعْينِيَ عند ارتداد الجفون
قوله جلّ ذكره: {وَفِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌ لِّلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ} السائلُ هوالمُتكفِّف ، والمحرومُ هو المتعفِّف - ويقال هو الذي يحرم نفسه بترك السؤال.. هؤلاء هم الذين يُعْطُون بشرط العلم ، فأمَّا أصحابُ المروءة: فغير المستحق لمالهم أَوْلَى من المستحق. وأما أهل الفترة فليس لهم مالٌ حتى تتوجه عليهم مطالبة ؛ لأنهم أهل الإيثار - في الوقت - لكلِّ مايُفْتَحُ عليهم به.
قوله جلّ ذكره: {وَفِى الأَرْضِ ءَايَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ وَفِى السَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} .
كما أَنَّ الأرضَ تحمل كلَّ شيء فكذلك العارف يتحمَّل كلَّ أحد.
ومَنْ استثقل أحداً أو تبرَّمَ برؤية أحدٍ فلِغَيْبته عن الحقيقة ، ولمطالعته الخَلْقَ بعين التفرقة - وأهلُ الحقائق لا يتصفون بهذه الصفة.
ومن الآيات التي في الأرض أنها يُلْقَى عليها كلُّ قذارةٍ وقمامة - ومع ذلك تُنْبِتُ كلَّ زَهْرٍ ونَوْرٍ... كذلك العارفين يتشرب كلَّ ما يُسْقَى من الجفاء ، ولا يترشح إلاَّ بكل خُلُقٍ عَلِيّ وشيمةٍ زكيَّة.