فهي جبلة واحدة وطبيعة واحدة للمكذبين ؛ وهو استقبال واحد للحق والرسل يستقبلهم به المنحرفون: {كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا: ساحر أو مجنون} .. كما يقول هؤلاء المشركون! كأنما تواصوا بهذا الاستقبال على مدار القرون! وما تواصوا بشيء إنما هي طبيعة الطغيان وتجاوز الحق والقصد تجمع بين الغابرين واللاحقين!
والنتيجة الطبيعية التي تترتب على هذا الموقف المكرور ، الذي كأنما تواصى به الطاغون على مدار القرون ، ألا يحفل الرسول - صلى الله عليه وسلم - تكذيب المشركين. فهو غير ملوم على ضلالهم ، ولا مقصر في هدايتهم: {فتول عنهم فمآ أنت بملوم} .. إنما هو مذكر ، فعليه أن يذكر ، وأن يمضي في التذكير ، مهما أعرض المعرضون وكذب المكذبون: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} .. ولا تنفع غيرهم من الجاحدين. والتذكير هو وظيفة الرسل. والهدى والضلال خارجان عن هذه الوظيفة ، والأمر فيهما إلى الله وحده. الذي خلق الناس لأمر يريده.
هنا يجيء الإيقاع الأخير في السورة. ويتضح معنى الفرار إلى الله ، والتخلص من الأوهاق والأثقال ، لأداء الوظيفة التي خلق الله العباد لها ، ومنحهم وجودهم ليؤدوها:
{وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون. إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين} ..
وإن هذا النص الصغير ليحتوي حقيقة ضخمة هائلة ، من أضخم الحقائق الكونية التي لا تستقيم حياة البشر في الأرض بدون إدراكها واستيقانها.
سواء كانت حياة فرد أم جماعة. أم حياة الإنسانية كلها في جميع أدوارها وأعصارها.
وإنه ليفتح جوانب وزوايا متعددة من المعاني والمرامي ، تندرج كلها تحت هذه الحقيقة الضخمة ، التي تعد حجر الأساس الذي تقوم عليه الحياة.