والآيات متصلة بسابقاتها كما هو المتبادر. وقد احتوت تنديدا لاذعا بالكفار وتطمينا وتثبيتا للنبي صلى الله عليه وسلم. والآية الأخيرة بخاصة احتوت تنويها بالمؤمنين وذوي النيات الحسنة والرغبة الصادقة، فهم الذين ينتفعون بالتذكير والإرشاد مما تكرر مثله في المناسبات السابقة.
وفي هذا تلقين جليل مستمر المدى لدعاة الإصلاح والمرشدين، فعليهم أن يستمروا في الدعوة ولا ييأسوا من بطء استجابة الناس لدعوتهم وإن دعوتهم لمؤثرة نافعة حتما في ذوي النفوس الطيبة والقلوب الصافية والنوايا السليمة.
تعليق على آية فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتولي عن الكفار لا يعني الكفّ عن دعوتهم وإنذارهم، فهذه مهمته. والآية التالية استدركت ذلك وأمرته بالاستمرار في التذكير وإنما فيه على ما يتبادر لنا معنى التسلية والتهوين والأمر بعدم المبالاة بإعراضهم وعنادهم مما مرّ منه أمثلة كثيرة.
ولقد روى المفسرون أن الآية لما نزلت حزن النبي صلى الله عليه وسلم واشتد على أصحابه وظنوا أن الوحي قد انقطع وأن العذاب قد حضر. فأنزل الله الآية التالية فطابت نفوسهم وهذا يقتضي أن تكون الآيات قد نزلت منفصلة عن بعضها، في حين أن الآيتين منسجمتان مع ما قبلهما وبعدهما انسجاما تاما مما يدل على أنها نزلت وحدة. والرواية التي يرويها المفسرون لم ترد في كتب الأحاديث الصحيحة وليس فيها ما يوجب حزنا وغمّا في الوقت نفسه على ما هو المتبادر منها.
[سورة الذاريات (51) : الآيات 56 إلى 58]
(وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ(56) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)
.في الآيات تقرير بأن الله عز وجل إذ خلق الإنس والجن قد أوجب عليهم الاعتراف به وعبادته وحده. ولم يرد منهم رزقا ولا طعاما فإنه هو الرزاق القوي القادر المستغني عن كل شيء.