ثم أمره أن يسأل ربه ما هو أنفع له وأتمّ فائدة فقال: {وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً} أي أنزلني في السفينة.
قرأ الجمهور: {منزلاً} بضم الميم وفتح الزاي على أنه مصدر.
وقرأ زرّ بن حبيش وأبو بكر عن عاصم والمفضل بفتح الميم وكسر الزاي على أنه اسم مكان.
فعلى القراءة الأولى: أنزلني إنزالاً مباركاً ، وعلى القراءة الثانية: أنزلني مكاناً مباركاً ، قال الجوهري: والمنزل بفتح الميم والزاي النزول ، وهو الحلول ، تقول: نزلت نزولاً ومنزلاً.
قال الشاعر:
أإن ذكرتك الدار منزلها جمل... بكيت فدمع العين منحدر سجل
بنصب منزلها ؛ لأنه مصدر.
قيل: أمره الله سبحانه بأن يقول هذا القول عند دخوله السفينة.
وقيل: عند خروجه منها ، والآية تعليم من الله لعباده إذا ركبوا ثم نزلوا أن يقولوا هذا القول: {وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين} هذا ثناء منه على الله عزّ وجلّ إثر دعائه له.
قال الواحدي: قال المفسرون: إنه أمر أن يقول عند استوائه على الفلك: الحمد لله ، وعند نزوله منها: ربّ أنزلني منزلاً مباركاً ، والإشارة بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ} إلى ما تقدّم مما قصه الله علينا من أمر نوح عليه السلام: والآيات الدلالات على كمال قدرته سبحانه ، والعلامات التي يستدلّ بها على عظيم شأنه {وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ} أي لمختبرين لهم بإرسال الرسل إليهم ؛ ليظهر المطيع والعاصي للناس أو للملائكة.
وقيل: المعنى: إنه يعاملهم سبحانه معاملة المختبر لأحوالهم ، تارة بالإرسال ، وتارة بالعذاب.
{ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءاخَرِينَ} أي من بعد إهلاكهم.
قال أكثر المفسرين: إن هؤلاء الذين أنشأهم الله بعدهم هم عاد قوم هود ، لمجيء قصتهم على إثر قصة نوح في غير هذا الموضع ، ولقوله في الأعراف: {واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: 69] .