قوله: (والمخادعة هنا من واحد) أي فليست على بابها وهو جواب عن سؤال تقديره إن المفاعلة تكون من الجانبين، وفعل الله لا يقال فيه مخادعة، فأجاب بما ذكر، وقد ورد سؤال آخر حاصله أن الخداع لا يكون إلا لمن تخفى عليه الأمور، فما معنى إسناد المخادعة إلى الله؟
أجيب بأن في الكلام استعارة تمثيلية، حيث شبه حالهم مع ربهم في إيمانهم ظاهراً لا باطناً بحال رعية تخادع سلطانها واستعير اسم المشبه به للمشبه، أو مجاز عقلي، أي يخادعون رسول الله من إسناد الشيء إلى غير من هو له أو مجاز بالحذف، أو في الكلام تورية وهي أن يكون للكلام معنى قريب وبعيد، فيطلق القريب ويراد البعيد وهو مطلق الخروج عن الطاعة باطناً، وإن كان العامل لا تخفى عليه خافية، وأشار المفسر لذلك كله بقوله (وذكر الله فيها تحسين) أي يذكر المجاز لأنه أبلغ من الحقيقة.
{فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} * {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} * {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}
قوله: {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} يطلق على الحسي وهو الحرقة، وعلى المعنوي وهو الشك والنفاق، ولا شك أن في قلوبهم المرضين والمعنوي سبب في الحسي، فقوله (شك ونفاق) إشارة للمرض المعنوي، وقوله (فهو يمرض قلوبهم) بيان لما يتسبب عنه، وهو إشارة الحسي، وهي في محل التعليل لما قبلها قوله: (بما أنزله من القرآن) أشار بذلك إلى أن نزول القرآن يزيد الكافر والمنافق مرضاً بمعنى كفراً وشكاً فينشأ عنه المرض الحسي، كما يزيد المؤمن إيماناً فينشأ عنه البهجة والسرور، قال تعالى
{وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً} [التوبة: 124] الآيات. ويحتمل أن المراد بما أنزله أي في حقهم من فضيحتهم خصوصاً بسورة التوبة فإنها تسمى الفاضحة.
قوله: (مؤلم) يقرأ اسم مفعول أي العذاب يتألم من شدته فكأنه لشدته كأن الألم قائم به وهو أبلغ، ويصح قراءته اسم فاعل ولا بلاغة فيه.