والخدع في أصل اللغة: الإخفاء والإبهام، يقال خدعه - كمنعه - خدعا، ختله وأراد به مكروها من حيث لا يعلم وأصله من خدع الضب حارسه إذ أظهر الإقبال عليه ثم خرج من باب آخر.
وخداعهم لله - تعالى - معناه إظهارهم الإيمان وإبطانهم الكفر ليحقنوا دماءهم وأموالهم، ويفوزوا بسهم من الغنائم، وسمى فعلهم هذا خداعا لله - تعالى - لأن صورته صورة الخداع، فالجملة الكريمة مسوقة على أسلوب المشاكلة، ولا يجوز حملها على الحقيقة، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه صنع المنافقين بل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. قال - تعالى - إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ.
أما خداعهم للمؤمنين فمن مظاهره إظهارهم لهم أنهم إخوانهم في العقيدة وأنهم لا يريدون لهم إلا الخير. بينما هم في الحقيقة يضمرون لهم العداوة ويتربصون بهم الدوائر.
وجاءت الآية الكريمة هكذا بدون عطف، لأنها جواب سؤال نشأ من الآية السابقة، إذ أن قول المنافقين «آمنا» وما هم بمؤمنين، يثير في نفس السامعين استفهاما عما يدعو هؤلاء لمثل تلك الحال المضطربة والحياة القلقة المقامة على الكذب، فكان الجواب: إنهم يفعلون ذلك محاولين مخادعة المؤمنين، جهلا منهم بصفات خالقهم.
وقال القرآن: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا. ولم يذكر مخادعتهم للرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولعل الحكمة في ذلك أن القرآن يعتبر مخادعة الله مخادعة لرسوله، لأنه هو الذي بعثه إليهم، وهو المبلغ عن الله أحكامه وشرائعه. قال - تعالى -:
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ وقال - تعالى - مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ.
ثم بين - سبحانه - غفلتهم وغباءهم فقال: وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ.
الأنفس: جمع نفس بمعنى ذات الشيء وحقيقته. وتطلق على الجوهر اللطيف الذي يكون به الحس والحركة والإدراك.
ويشعرون: مضارع شعر بالشيء - كنصر وكرم - يقال: شعر بالشيء أي: فطن له، ومنه الشاعر لفطنته، لأنه يفطن لما لا يفطن له غيره من غريب المعاني ودقائقها.