وعبارة المراغي هنا: {وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ} الذين اتبعوا قضيّة العقل، وسلكوا سبيل الرشاد، وكان للإيمان سلطان على نفوسهم، وعليه بنوا تصاريف أعمالهم، كعبد الله بن سلام وأشباهه من أحبارهم. {قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ} أرادوا بالسفهاء: أتباع النبي صلّى الله عليه وسلّم. أمّا المهاجرون منهم: فلأنّهم عادوا قومهم وأقاربهم، وهجروا أوطانهم، وتركوا ديارهم؛ ليتبعوا النبي صلّى الله عليه وسلّم، ويسيروا على هديه. وأمّا الأنصار: فلأنّهم شاركوا المهاجرين في ديارهم وأموالهم، ولا يستبعد ممن انهمك في السفاهة، وتمادى في الغواية، ومن زيّن له سوء عمله، فرآه حسنا، وظنّ الضلال هدى أن يسمّي الهدى سفها وضلالا، كما مرّ. {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ} وحدهم دون من عرّضوا بهم، ونسبوهم إلى السفه، إذ هم لهم سلف صالح تركوا الاقتداء بهم، واكتفوا بانتظار شفاعتهم، ولم يجروا على هديهم وسنتهم، بخلاف أولئك المؤمنين الذين لا سلف لهم إلّا عابدي أصنام، وقد هداهم الله تعالى، وصارت قلوبهم مطمئنة بالإيمان. {وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ} ما الإيمان وما حقيقته؟ حتى يعلموا أنّ المؤمنين سفهاء.
وقد ختمت هذه الآية بـ {لا يَعْلَمُونَ} ، وسابقتها بـ {لا يَشْعُرُونَ} ؛ لأنّ الإيمان لا يتمّ إلّا بالعلم اليقينيّ، والفائدة المرجوة منه، وهي السعادة في المعاش والمعاد، لا يدركها إلّا من يعلم حقيقته ويدرك كنهه، فهم قد أخطأوا في إدراك مصلحتهم ومصلحة غيرهم.
أمّا نفاقهم وإفسادهم في الأرض فقد بلغ من الوضوح مبلغ الأمور المحسوسة التي تصل إلى الحواس والمشاعر، ولكن لا حسّ لهم حتى يدركوه. انتهى.