وهذا ردّ ومبالغة في تجهيلهم، فإنّ الجاهل بجهله الجازم على خلاف ما هو الواقع، أعظم ضلالة، وأتمّ جهالة من المتوقّف المعترف بجهله، فإنّه ربّما يعذر وتنفعه الآيات والنذر. وقال النسفيّ: وإنّما ذكر هنا {لا يَعْلَمُونَ} . وفيما تقدم {لا يَشْعُرُونَ} ؛ لأنه قد ذكر السفه هنا، وهو جهل، وكان ذكر العلم أحسن طبقا له. انتهى.
وفي «الروح» : واعلم أن قوله تعالى: {وَما يَشْعُرُونَ} في الآية الأولى: نفي الإحساس عنهم، وفي الثانية: نفي الفطنة؛ لأنّ معرفة الصلاح والفساد يدرك بالفطنة، وفي الآية الثالثة: نفي العلم، وفي نفيها على هذه الوجوه تنبيه لطيف ومعنى دقيق، وذلك: أنّه بيّن في الأولى: أنّ في استعمالهم الخديعة نهاية الجهل الدال على عدم الحسّ، وفي الثانية: أنّهم لا يفطنون تنبيها على أنّ ذلك لازم لهم؛ لأنّ من لا حسّ له لا فطنة له، وفي الثالثة: أنّهم لا يعلمون تنبيها على أنّ ذلك أيضا لازم لهم؛ لأنّ من لا فطنة له لا علم له، فإنّ العلم تابع للعقل، كما حكي: أنّ الله تعالى لمّا خلق آدم عليه السلام أتى إليه جبريل عليه السلام بثلاث تحف: العلم، والحياء، والعقل. فقال: يا آدم اختر من هذه الثلاث ما تريد، فاختار العقل. فأشار جبريل إلى العلم والحياء بالرجوع إلى مقرّهما، فقالا: إنّا كنا في عالم الأرواح مجتمعين، فلا نرضى أن يفترق بعضنا عن بعض في الأشباح أيضا، فنتبع العقل، حيث كان، فقال جبريل عليه السلام: استقرا، فاستقر العقل في الدماغ، والعلم في القلب، والحياء في العين.
فليسارع العاقل إلى تحصيل العلم والمعرفة، حتى يصل إلى توحيد الفعل والصفة.