إذا استتر فِي جحره ، واستعمال ذلك فيه لما اعتقدوا فِي الضب ، أنه يعد عقربا يلدغ من يدخل يده فِي حجره حتى قالوا العقرب بواب الضب ، ولاعتقاد الخديعة فيه قالوا:"أخدع من ضب"وطريق خادع مخالف لما يقتضيه ظاهره ، والمخدع كأنك جعلته خادعاً لمن رام تناول ما فيه لأنه بيت فِي بيت ، وقولهم:"خدع الطريق"إذا قل ، فتغير متصور منه هذا المعنى.
والاخدعان: تصور منهما الخداع ، لاستنادهما تارة ، وظهورهما أخرى ، وفي الحديث:
"بين يدي الساعة سنون خداعة"أي مغتالة ، لتلونها بالجدب تارة ، والخصب أخرى.
إن قيل:
لم قال (يخادعون الله) وهم لم يقصدوا بفعلهم خديعته ؟ قيل: ذكر بعض النحويين أنه أراد تعالى"يخادعون رسول الله"، فحذف المضاف ، وهذا باعتبار حكم اللفظ دون المعنى فأما باعتبار المعنى فإنهم لما قصدوا خديعة النبي - عليه السلام - وقد أنبأ تعالى أن معاملة الله تعالى ، حتى قال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} جعلهم مخادعين له بخديعتهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ،
فإن قيل: المخادعة من بين اثنين ، وقد علم أن ذلك لم يكن من الله تعالى ولا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فكيف قال يخادعون ؟ قيل: قد قال أهل اللغة وكثير من المفسرين: أن الخديعة من الله هي مجازاته إياهم بمثل فعلهم ، فسمي مجازاة الشيء باسمه ، وكذلك قالوا فِي المكر والهزؤ ونحوهما مما وصف به نفسه ، ولا يليق به ، وعلى ذلك قول الشاعر:
فنجهل فوق جهل الجاهلينا