البصر مغشي عليع مفرداً عن القلب ، والسمع ، فقد قيل: إن ذلك لاختصاص البصر بمعنى ، وهو أنه لما كان يحتاج فِي إدراك مدركاته إلة نور من خارج كما يحتاج إلى نور من داخل ، والقلب والسمع يستوي حالهما فِي إدراك مدركاتها فِي الضوء والظلمة ، خص البصر بالغشاوة - تنبيهاً على أن النور ممنوع منه ، فلا يحصل به الانتفاع وأيضاً ، فإن ما يدركه القلب والسمع لا يختص بجهة دون جهة ، وما يدركه البصر يختص بجهة المقابلة ، فجعل ما يمنعهما من خاص ، فعليهما الختم الذي يمنع من جميع الجهات ، وجعل ما يمنع البصر من خاص الغشاوة المختصة بجهة دون جهة ، وأكثر ما ذكر الله القلب ، فالمقصود به"العقل والمعرفة"، وكان ذلك عباة عن الموعي بالوعاء ، وعلى هذا قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} ، وقوله تعالى: {فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} ، وقوله عليه السلام:"استفت قلبك وإن افتاك المفتون"، وأما إفراد السمع مع جمع القلب والبصر ، فقد قيل: إن السمع فِي الأصل مصدر ، فأجرى مجرى أصله ، وقيل: أراد موضع سمعهم ، وقيل: المضاف إلى الجمع يصح جمعه على الأصل ، وإفراده على الإيجاز - اعتماداً على المضاف إليه ، كقول الشاعر:
أمَّا عِظَمامُهَا فَبِيضٌ ...
وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ
والغشاوة: ما يغشى به كالعلاقة ، وغشي منه ، لكن قلب واوه ياء لنكسار ما قبله ، وكذلك: غشيان ، كغليان.
ومن نصب غشاوة فعلى تقديره جعل على أبصارهم غشاوة ، ومن رفع فعلى القطع والاستئناف ، والعذاب: اسم من التعذيب ، وكان الأصل من قولهم ما عذب والتعذيب إزالة ذلك العذاب كقولهم مرضته فديته فِي إزالة المرض والقذى بين العذاب والعقاب أن العقاب لا يقال إلا فيما كان مجازة ، وكأنه هو المتعقب للجرم المتقدم ، والعذاب يقال فيه وفي غيره ، ووصفه بالعظيم: تنبيه أنه إذا قويس بسائر ما يجانسه قصر جميعه عنه.