ومع ذلك ليس بمخلص فِي الجواب لأن نفي الربح عن التجارة لا يدل على ذهاب كل المال ، ولا على الخسران فيه ، لأن الربح هو الفضل على رأس المال ، فإذا نفى الفضل لم يدل على ذهاب رأس المال بالكلية ، ولا على الانتقاص منه ، وهو الخسران.
قيل: لما لم يكن قوله تعالى: {فما ربحت تجارتهم} مفيداً لذهاب رؤوس أموالهم ، أتبعه بقوله: {وما كانوا مهتدين} ، فكمل المعنى بذلك ، وتم به المقصود ، وهذا النوع من البيان يقال له: التتميم ، ومنه قول امرئ القيس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ...
وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
تمم المعنى بقوله: الذي لم يثقب ، وكمل الوصف وسمى الله تعالى اعتياضهم الضلالة عن الهدى تجارة ، وإن كانت التجارة هي البيع والشراء المتحقق منه الفائدة ، أو المترجى ذلك منه.
وهذا الاعتياض منفي عنه ذلك ، لأن الكفر محبط للأعمال.
قال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا} الآية وفي الحديث ، أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن ابن جدعان: وهو ينفعه وصله الرحم وإطعام المساكين ؟ فقال:"لا إنه لم يقل رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين"لأنهم لم يعتاضوا ذلك إلا لما تحققوا وارتجوا من الفوائد الدنيوية والأخروية.
ألا ترى إلى قولهم: {نحن أبناء الله وأحباؤه} ، وقولهم: {وما نحن بمعذبين} وكانت اليهود تزعم أنهم لا يعذبون إلا أياماً معدودة ، وبعضهم يقول يوماً واحداً ، وبعضهم عشراً ، وكل طائفة من الكفار تزعم أنها على الحق وأن غيرها على الباطل.
فلحصول الراحة الدنيوية ورجاء الراحة الأخروية ، سمى اشتراءهم الضلالة بالهدى تجارة ، ونفى الله تعالى عنهم كونهم مهتدين.
وهل المعنى ما كانوا فِي علم الله مهتدين ، أو مهتدين من الضلالة ، أو للتجارة الرابحة ، أو فِي اشتراء الضلالة ، أو نفي عنهم الهداية والربح ، لأن من التجار من لا يربح فِي تجارته ويكون على هدى ، وعلى استقامة ، وهؤلاء جمعوا بين نفي الربح والهداية.