وأجابوا عن شبهة السيد بأن انتزاع شيء من أمور متعددة يكون على وجوه شتى فقد يكون من مجموع تلك الأمور كالوحدة الاعتبارية وقد يكون من أمر بالقياس إلى آخر كالإضافات وقد يكون بعضه من أمر وبعضه من آخر وعلى الأولين لا يقتضي تركيبه بل تعدد مأخذه فيجوز حينئذٍ أن يكون المدلول الحر فِي لكونه أمراً إضافياً كالاستعلاء حالة منتزعة من أمور متعددة فلجريانها فِي الحرف تكون تبعية ولكون كل من الطرفين حالة إضافية منتزعة من أمور متعددة تمثيلية ، ولعل اختيار القوم فِي تعريف التمثلية لفظ الانتزاع دون التركيب يرشد المنصف إلى عدم اشتراط التركيب فِي طرفيه وإلا لكان الأظهر لفظ التركيب ، وقد أشبعنا القول فِي ذلك وذكرنا ما له وما عليه فِي كتابنا الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية وفي هذا القدر هنا كفاية.
وفي تنكير {هُدًى} إشارة إلى عظمته فلا يعرف حقيقته ومقداره إلا اللطيف الخبير وإنما ذكر الرب مع أن الهدى لا يكون إلا منه سبحانه تأكيداً لذلك بإسناده إليه جل شأنه ، وفيه مناسبة واضحة إذ حيث كان ربهم ناسب أن يهيء لهم أسباب السعادتين ويمنّ عليهم بمصلحة الدارين وقد تكون ثم صفة محذوفة أي {على هُدًى} أي هدى وحذف الصفة لفهم المعنى جائز.
وقيل يحتمل أن يكون التنوين للأفراد أي على هدى واحد إذ لا هدى إلا هدى ما أنزل إليه صلى الله عليه وسلم لنسخه ما قبله.
و {مِنْ} لابتداء الغاية أو للتبعيض على حذف مضاف أي من هدى ربهم ، ومعنى كون ذلك منه سبحانه أنه هو الموفق لهم والمفيض عليهم من بحار لطفه وكرمه وإن توسطت هناك أسباب عادية ووسائط صورية على أن تلك الوسائط قد ترتفع من البين فيتبلج صبح العيان لذي عينين.