وَقَدِ استدعى مني النهج العلمي الإلمام بتفاصيل المناظرة ورصد أوجه الاختلاف في روايتها، إذْ تُرْوَى برواياتِ مختلفة، ولذا ألزمْتُ نَفْسِي مِنْ نَقْلِ النُّصوصِ إِذْ كُنْتُ ابتغي منها إبرازَ الفوارق التي قد تبدو في تلك الروايات.
وَمِن المعلوم أن الحسمَ في تصحيحِ رأي العالمين هُمْ أعرابُ الحطمة الَّذين رَجَّحُوا رأيَ الكسائي وما قِيْلَ في هذهِ الشهادةِ الزورية ( [1] ) . إذْ كانَ البصريون لا يعتدون بلغتهم وهم الذين كان الكسائي يَأْخُذُ عَنْهُمْ، كما أَنَّهم قَدْ عَلِمُوا أَنَّ الكسائي في حمى الرشيد.
وَقَدْ نَالَتْ هذِهِ المناظرةُ لدى الدَّارسين المحدثين الاهتمامَ نَفْسَهُ الَّذي نَالَتْهُ لدى الدَّارسين الأقدمين. إِذْ تابعَ الدَّارسون المحدثون الأقدمين فيما ذَهَبُوا إليه، وعلى وفقِ ذلك انْقَسَمَ الدَّارسون المحدثون فريقين:
الأَوَّل: يرى أنَّ السياسةَ تَدَخَلَتْ في النَّتيجةِ التي آلَتْ إليها المناظرة وهم كُثُر.
والثاني: يرى أن المناظرة علمية ولم يكن للسياسة دور في النتيجة التي آلت إليها، ولم يكتف الدارسون المحدثون بذلك. بل لقد ربط أحد الباحثين بين تلك المناظرة ومعطيات علم اللغة الحديث ( [2] ) .
ونتيجة لهذِهِ الأهميةِ التي نالتَهُ هذه المناظرة قديمًا وحديثًا. قُمْتُ بدراستها دراسةً تاريخيةً فَرصدْتُها في مصنفات الأقدمين مِنْ كُتُبِ التَّراجم والطبقات وكتب التاريخ وكتب النحو التطبيقية. و فرض عليَّ مسارُ البحث أن أنقلَ النصوصَ من مظانها كاملةً حتى أتسنى من معرفة تفاصيل هذه المناظرة. زِدْ على ذلك أنَّ هذا النَّهجَ سيجعلني أرصدُ الإضافاتٍ الَّتي أضافَها كلُّ راوٍ لهذِهِ المناظرة.
وَبَعْدَ مرحلةِ جمعِ المادةِ العلميةِ أقمْتُ خطةَ البحثِ على النحو الآتي:
انقسمَ البحثُ على مقدِّمة وثلاثة فصول وخاتمة.
أمَّا الفصلُ الأولُ: فكان بعنوان (أوليات الخلاف النحوي) وانقسمَ على ثلاثةِ مباحث:
كانَ المبحثُ الأوَّلُ: (نشأة الخلاف النحوي) ، وفيه تناولْتُ ذلكَ الخلافَ بَيْنَ الدارسين في أولية الخلاف النحوي، وأخذْتُ بعرضِ آراء الدارسين الأقدمين والمحدثين التي أخذَتْ مسارين:
الأوَّل: يرى أنَّ نشأةَ الخلافِ النَّحوي بَدَأَتْ بالخليلِ وأبي جعفر الرؤاسي مستندين بذلكَ عَلَى ما أوردتْهُ المصادرُ القديمةُ مِنْ كُتُبِ التراجم والطبقات من أن كليهما قد أخذ عن عيسى بن عمر الثقفي، وادعت هذه المصادر أن للرؤاسي كتابًا في النحو هو (الفيصل) وأن الخليل طلب منه هذا الكتاب وأقامَ كتابَهُ عليه ( [3] ) . أو أن الخليلَ أملى ما أخذَهُ عن الرؤاسي لتلميذه النابه سيبويه في كتابه، وأن ما أثبته سيبويهُ في الكتاب من حكاية أقوال (الكوفي) أبي جعفر الرؤاسي دليل على هذا، وعرضنا لهذا الوهم مستندين بآراء الدارسين المحدثين الذين أثبتوا عدم صحة هذه الرواية، اعتمادًا على تنقيرهم في كتاب سيبويه الذي خلا من هذه الحكاية.
والثاني: يرى أن نشأة الخلاف النحوي بدأت بسيبويه والكسائي مستندين بذلك على المناظرة المشهورة بينهما التي عُرٍفَتِ بالمسألة الزنبورية.
وكان المبحث الثاني: (أسباب الخلاف النحوي) تناولت فيه تلك الدواعي التي عملت عملها في نشأة الخلاف النحوي، وهي في مجملها دواعي شخصية مظهرها التنافس للتكسب والجاه، ومنها دواعي عصبية مظهرها التعصب للمصرين البصري والكوفي، وسياسية تتمثل بموقف العباسيين المنحاز للكوفيين، ومنهجية مردّها الاختلاف المنهجي لا سيما الاختلاف في أصول النحو من سماع وقياس؛ لأن التوسع في السماع كان سببًا رئيسًا في الاختلاف ببن المذهبين البصري والكوفي،إذ أقام البصريون معيارًا لأخذ المسموع فقد حددوا مكانًا وزمانًا معينين فأخذوا يخضعون كلام العرب شعره ونثره لهذبن المعيارين. وقد خالفهم الكوفيون الذين توسعوا في أخذ المسموع، إذ أخذ الكوفيون من أناس إما لا ينتمون لتلك القبائل، وإما صاروا من ساكني الحضر، كما أخد البصريون يضعون معايير للنصوص اللُّغويَّة لا سيما النصوص الشعرية من حيث نسبة الشعر لقائله، والمأخوذ عنه،
(يُتْبَعُ)