و لقد قرأتُ قول الشاعر:"تقسم منك الترب"برفع"الترب"على الفاعلية، و لم أنتبه للفتحة الظاهرة بآخرها، و سواء كان الفاعل"الترب"أو"القوم و الجيرة"، فلا زال وجه الإشكال و سبب الإزعاج قائما .. ،فأزح عني هذه الغشاوة التي حالت دون درْك المعنى الصحيح للبيت .. ،
وهذه ليست الزلة الوحيدة لعنان في تحقيقه، فمعرفته بالشعر لا تضاهيها إلا معرفة أعرابي جاهليّ بأشعار شكسبير. والأدلة على ذلك لا تعدّ ولا تحصى ...
من المعلوم في أصول الجدل ضبط المصطلحات و الألفاظ، حتى يستقيم التحاور و يرتفع الإشكال و الإشتباه، و وددت منك أن ترسم لي رسما لـ"التجاسر"، بحيث نوقعه على كلامك في حق"عنان"، ثم نوقعه على ما سميته"تجاسرا"في تلك"النظرات"، و نرى الصنيع الذي يصدق عليه ذاك الرسم و الصنيع الذي يخرج عما رسمتَ و ضبطت، و كلامك لا يخل من لوثة تهكمية ساخرة، و كان لك في المسلك العلمي للنقد اكتفاء و غناء.
وأكتفي بذكر مثال واحد، لتعلُّقه بموضوعنا:
في"ريحانة الكتاب" (ج1، ص 50 - 51) ، نقرأ قصيدة مطلعها:
أعُشَّاقَ غير الواحد الصمد الباق --- جنونكم والله أعيت (كذا) على الراقِ
وفيها نقرأ:
وتربط بالأجسام نفسا حياتُها --- مباينةُ الأجسام بالجوهر الراق
هل رأيت"الراق"قط؟
ثم ما هو الفرق بين"الراق"الأول و"الراق"الثاني؟
الراق الأول: هو الذي يرقي و يداوي .. ،
والراق الثاني: أي السامي و النفيس و الغالي .. ،
ونقرأ أيضًا هذين البيتين:
فإن سَكِرت واستشرفت عند سُكْرها --- لماهيّة السُّقيا ومعرفة السّاقِ
أطيلوا على روض الجمال خطورها --- إلى أَن يقوم الحبُّ فيها على ساقِ
واسأل نفسك عن معنى"الساق"في البيت الأول. وإياك والتأويل!
الساق في البيت الأول: الذي يسقي الخمرة .. ،
و لا أدر ما سبب ذكرك لهذه الأسئلة؟ و ما دخلها فيما نحن فيه؟
وقد ضُبط ثاني البيتين، الذين عليهما مدار حديثنا، على النحو الذي أثبتُّه في:
_ الجزء الأول من نشرة رفيق العظم للإحاطة،
_ وفي"نفح الطيب"،
_ وفي"أزهار الرياض"،
_ وفي"زهر الأكم"لليوسي،
_ وفي المحاضرات لليوسي أيضًا.
فما قولك؟
وهنا تُرفَع الأقلام، ويحسُن الإمساك عن الكلام ...
كان الله في عونك!
أخي الفاضل أنتَ لم تُثبِتْ شيئا، أنت متبع و مقلد للعظم في ذاك التقويم لا أكثر (و كذا في غيره من التقويمات) ، و أما المراجع التي ذكرتها فتقطع عني الكلام، و تنادي علي بالإذعان و الاستسلام، و أنا لها مذعن مستسلم، و لم أقصد بانتقاد"مراجعاتك"المغالبة و لا الفلج، فذاك نهج لا أرتضيه لنفسي و ديني، و لكن قصدت إيراد ما أراه خطأ ً، و كان الله في عوني أين ما يمَّمت.
و لقد أشدتُ بحيازة هاته"المراجعات"لقَصَب الإصابة و الإجادة في مشاركتي"الثانية"، و لا هم لي في صاحب الموضوع و لكن يعنيني ما يكتب، و أنتَ سطرتَ في"النظرات"على مشاركة بتراء عرجاء، خالية مما جرت به العادة في المنتديات و المجالس العلمية من الشكر و الدعاء لصاحب الموضوع، و هذا خلاف ما تقتضيه أصول الأدب و وشائج الأخوة، و ما ذلك إلا لغلبة ما تجده في نفسك .. ، سامحك الله .. ،
أرجو الاقتصار في الرد على موضوعك، و أما"النظرات"فلها موضوع خاص بها، سطر فيه ما تريده .. ،