فهرس الكتاب

الصفحة 4171 من 8348

نعم .. إن كل قارئ لآثار السيد أحمد صقر - ناهيك عن رجل لابسه وعرف دخائله مثل الدكتور محمود الطناحي - لا يملك إلا أن يشعر نحوها بالإجلال والإكبار، ولصاحبها بالمودة والتقدير، ولعلمه بالتواضع والخضوع، إذ كان من المحققين القلائل الذين لا يتوارون خلف نصوصهم المحققة، بل يطالعك بشخصه، ويواجهك برأيه من دون تزيد أو إملال، إن في مقدماته الفذة للكتب التي تولى تحقيقها، التي تبين قيمة الكتاب، وتشرح فكرته، وتكشف حقيقته، والتي امتازت بغزارة المادة , وعمق الفكرة , ودقة الاستنباط , وروعة البيان , وظهرت فيها شخصيتهم واضحة المعالم , بينة القسمات، والتي تحمل في أطوائها الكثير من الجدة والإبداع , والأفكار والآراء. والتي حوت من خبايا العلوم وكنوز المسائل ما أدهش كل مطلع؛ ناهيك عن أسلوبها الجزل المشرق الرصين. أو في تعليقاته النفيسة التي نتجت عن طول التأمل، وحسن التأتي، أو في مقالاته النقدية المتقنة في المجلات والدوريات لطائفة من كتب الأدب والتراث، التي أبانت عن قدرة فذة في اكتشاف الأوهام والتصحيفات، وموهبة عجيبة في استكناه المعاني المغلقة وحل الألفاظ المستعصية، بل إن بعض تلك المقالات أشبه بإعادة لتحقيق الكتاب المنقود. ومن الطريف أن أول مقالة كتبها - وهو في المرحلة الثانوية - كانت نقدًا لديوان النابغة الشيباني باعتناء الشاعر المطبوع أحمد نسيم، وفي الوقت نفسه كانت كشفًا لفضائح القس لويس شيخو صاحب كتاب (شعراء النصرانية بعد الإسلام) ، حين جعل النابغة من شعراء النصرانية، فكتب السيد صقر عشرة مقالات نقدية كانت محل إعجاب مشرفي مجلة الهداية الإسلامية الغراء.

من أجل ذلك كله طحا بي في السيد أحمد صقر همة فتية، وعزمة قوية، كلفتني نشر مقدماته، وجمع مقالاته [3] ( http://www.alsakher.com/vb2/newthread.php?do=newthread&f=46#_ftn3) ، وضمه بين دفتي كتاب، لتجلي صورة فذة لرجل بنى مجده الأصيل من ذات نفسه، وشق طريقه الصخري بسن قلمه، لم يعتمد على منصب، ولم يستند إلى درجة علمية أو وجاهة أسرية؛ بل على النبوغ الفطري، والتحصيل الدؤوب والعصامية.

وقد صَدَّرت هذا المجموع بترجمة للسيد أحمد صقر، ذكرت فيها اسمه ونشأته وشيوخه ووظائفه وآثاره وصفاته وأخلاقه وتاريخ وفاته، ويعود الفضل في إنشاء هذه الترجمة إلى حضرة الأستاذ الجليل الودود منصور مَهْرَان متعه الله بالصحة والعافية حيث كان على علاقة جيدة بأستاذه السيد أحمد صقر عندما كان طالبًا بكلية اللغة العربية بالأزهر، حيث أضاء لي - شكر الله له - كثيرًا من الجوانب الغامضة في حياة السيد أحمد صقر، وأتحفني بكثير من أخباره ومواقفه الخاصة. والشكر موصول إلى فضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن العسكر (أستاذ البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) الذي أشرق علي بطيب معشره، ولطف معاملته، وصدق مشورته، وحسن توجيهه ما ليس لي وفاء ولو بجزء منه، فله مني خالص الدعاء وجزيل الشكر، كما لا يفوتني أن أشكر صاحب الفضيلة الدكتور محمد سعيد محمد حسن بخاري [4] ( http://www.alsakher.com/vb2/newthread.php?do=newthread&f=46#_ftn4) ( أستاذ الحديث الشريف بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى) ؛ متعه الله بالصحة والعافية حيث أفادني بكثير من أخبار السيد أحمد صقر أثناء مقامه في مكة للتدريس بجامعة أم القرى.

وبعد فإني أسأل الله عز وجل أن أكون قد وفقت فيما جمعت ونشرت من مقالات هذا العَلَم المحقق الفذ، والتي بلا ريب سترفع من قدر السيد أحمد صقر رحمه الله تعالى، وستنبه من ذكره ما كان خاملا، لما فيه من بقاء ذكر عالم شنفت مآثره الأسماع، وجمع أشتات علوم حكم الدهر عليها بالضياع، والتي ولولا قلة المشير اليها،وندرة المنبه عليها، لما قوي قلبي على نشرها، لما أعلم من تقاصر همتي، وقلةحصيلتي: في العلوم الشريفة من علوم الشريعة، والمسائل المنيفة من العلوم المفيدة.

وأخيرًا: فما أبرأ إليك من العثرة والزلة , وما أستغني منك عن التنبيه والدلالة , فكل بني آدم موصول بالعجز، مقرون بالحاجة، موصوف بالضعف والعجلة، وعلى الله الاعتماد في العفو عن الزلل , والرغبة في غفران المباهاة في القول والعمل، هو ولي النعمة ومانحها، ومرسل الرحمة وفاتحها، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت