فهرس الكتاب

الصفحة 3725 من 8348

ابن عبيد الله السقاف .. من وحي تأملي في صورته:

تأملتها عند منتصف الليل في ليلة النصف الثاني من شهر ربيع الثاني للعام (1429هـ) ، وحدقت النظر فيها، ورأيت من نفسي شعورًا نحوها للتأمل، والغوص في قسماتها، مع أني أمسكتها كثيرًا من قبل فما كان لي ذلك الشعور، والاندفاع في تفاصيل قسماتها .. فكانت قراءات .. وقراءات انسابت عليَّ كانسياب السيل من أعلى الجبل إلى أسفل الوادي؛ فكيف لي بإيقاف هذا السيل الهادر؛ حتى ألتقط ما برز منه؛ فأسطِّره هنا .. فليس كل ما يُقرأ يُسطّر.

كانت تلك التي تأملتها (صورة شخصية) لمفتي حضرموت في زمنه السيد عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف ـ رحمه الله ـ (توفي سنة 1375هـ) ؛ أودعتها في مقدمة كتابي:"الخمير المفتوت معجم المصنفات الواردة في إدام القوت".

وجدت نفسي في تلك الليلة، وأنا على فراشي؛ ممسكًا بكتابي آنف الذكر؛ فاتحًا على صورة السيد الفقيه؛ ومن غير مقدمات كانت عيناي مصوَّبة، ومركّزة إلى عيني السيد الفقيه؛ وكأنَّ هناك من وجّه عينيَّ برفق إلى عينيه؛ وأرغمني على قراءتهما.

قرأت في عينه اليمنى ما يحمله من حزن عميق؛ مع صرامة ممتلئة؛ في تؤدة ورويّة .. عين تحدثك عن المسئوليات الجسام التي تحمَّلها صاحبها طوال العقود الماضية من عمره .. من دعوة، وفتوة، ورحلات للعلم والإصلاح، وتربية، وتحمل جهل الجهال، وحسد الحسّاد؛ خاصة إذا كانوا من ذوي القربى، ومن بني قومه في النسب .. كل ذلك قرأته في نظرتي لعينه اليمنى، وحدثتني هي بمثله.

أما اليسرى وكانت منحرفة للأعلى لجهة اليسار فتعطيك انطباعًا شفافًا جميلًا لعابد مختليًا في محرابه في أغلب ساعات يومه؛ متوجهًا لله بكليته في ذل وانكسار، وما أجمله من ذل وانكسار ما دام في سبيل الواحد الأحد؛ فكأنما خُيّل لي أنها وُضِعَتْ لذلك .. بل حدثتني أنه كذلك.

أما فمه فكان مطبق الشفتين على هدوء من غير زمزمة؛ ينبئك بأن ماوراءه كالسد المنيع؛يلوح لناظره أنه اتخذ من مقولة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لست بالخِبّ ولا الخِب يخدعني) شعارًا.

أما أُذنيه فكانتا بين التصاقهما بالرأس وبين بعدهما عنه بعدًا بائنا، وكانتا وسطًا في حجمهما بين الكبر والصغر، وخير الأمور الوسط؛ فاتضح لي من الصورة أنه مستمع جيد؛ بل فاق ذلك فكان ذواقًا ونقادًا في نفس الوقت عند استماع الشعر؛ وما كتاباه:"ديوان"شعره، و"العود الهندي"إلا مثالًا على صدق ما تفرسنا به.

وأما جبهته فكانت مسبوكة سبكًا؛ دلّت أنَّ وراءها دماغًا عظيمًا؛ أوصله إلى أن يُشار إليه بالفقيه الضليع، ومفتي القطر الحضرمي النحرير.

وأما يداه؛ فغريبة هي .. طول من غير عرض، وانسياب مع لين، كأنهما ملفوفتين في حرير، لم تُخلق لكد ومشقة، ولكن لما هو أسمى من مصاحبة القلم والداوة للكتابة، والتأليف، والإملاء.

أما عمامته فكانت بسيطة المظهر؛ ولكنها كالتاج على رأسه، وقد ورد: (العمائم تيجان العرب) ، ودلت على تواضعه، وإنْ لم يكن ـ رحمه الله ـ من أهل التواضع المنكرين لذواتهم؛ فليت شعري من يكون غيره؛ في زمن طغت الماديات، وحب الشهرة والظهور وهي من علامات (الكبر) على كثير من أرباب العلم والفقه والقضاء؛ إلا من رحم، وقليل ما هم.

وحقيقة القول إنَّ الذي يقول ـ أعني به بطبيعة الحال ابن عبيد الله السقاف ـ: (وهذا تقي الدين ابن تيمية يُتروَّح من كلام الأسيوطي أنه مظلوم في التعصب عليه الذي أفضى به إلى السجن ثم الموت فيه، ورأيته يعترف له بفضل كبير خارق للعوائد؛ إلا أنه وصَمَه بالكبر، فناقشته في رسالة جَمَعَتْ كثيرًا من الفوائد، واستندت في نقض كلامه إلى أنني رأيت القرآن على طرف لسانه، وأسِلَّةِ قلمه، والله عز وجل يقول:"سأصرفُ عن آياتيَ الذين يتكبرونَ في الأرضِ بغيرِ الحق") .. لهو مثله كذلك من أبعد الناس عن الكبر ولا شك.

هذا ما ظهر لي من وحي تأملي في صورته؛ فأرجو أن لا أكون مغاليًا، ولا مجافيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت