حالتي، وبدلت فيها رغبة غير رغبتي.
ذلك أن أحد أخوال أبي واسمه الشيخ درويش سبقت له أسفار إلى صحراء
ليبيا، ووصل في أسفاره إلى طرابلس الغرب وجلس إلى السيد محمد المدني والد
الشيخ ظافر المشهور الذي كان قد سكن الأستانة وتوفي بها وتعلم عنده شيئًا من العلم
وأخذ عنه الطريقة الشاذلية، وكان يحفظ الموطأ وبعض كتب الحديث ويجيد
حفظ القرآن وفهمه، ثم رجع من أسفاره إلى قريته هذه واشتغل بما يشتغل به الناس
من فلح الأرض وكسب الرزق بالزراعة.
وإن هذا الشيخ جاءني صبيحة الليلة التي بتها في الكنيسة وبيده كتاب
يحتوي على رسائل كتبها السيد محمد المدني إلى بعض مريديه بالأطراف بخط
مغربي دقيق، وسألني أن أقرأ له فيها شيئًا لضعف بصره فدفعت طلبه بشدة ولعنت
القراءة ومن يشتغل بها ونفرت منه أشد النفور، ولما وضع الكتاب بين يدي رميته
إلى بعيد لكن الشيخ تبسم وتجلى في ألطف مظاهر الحلم، ولم يزل بي حتى أخذت
الكتاب، وقرأت منه بضعة أسطر فاندفع يفسر لي معاني ما قرأت بعبارة واضحة
تغالب إعراضي فتغلبه وتسبق إلى نفسي. وبعد قليل جاء الشبان يدعونني إلى
ركوب الخيل واللعب بالسلاح والسباحة في نهر قريب من القرية فرميت الكتاب
وانصرفت إليهم. بعد العصر جاءني الشيخ بكتابه وألح علي في قراءة شيء منه
فقرأت وفسر، ثم تركته إلى اللعب وفعل في اليوم الثاني كما فعل في الأول أما اليوم
الثالث فقد بقيت أقرأ له فيه وهو يشرح لي معاني ما أقرأ نحو ثلاث ساعات لم أملّ
فيها فقال لي: إني في حاجة إلى الذهاب إلى المزرعة ليعمل بعض العمل فيها فطلبت
منه إبقاء الكتاب معي فتركه، ومضيت أقرأه وكلما مررت بعبارة لم أفهمها وضعت
عليها علامة لأسأله عنها إلى أن جاء وقت الظهر وعصيت في ذلك اليوم كل رغبة
في اللعب وهوى ينازعني إلى البطالة، وعصر ذلك اليوم سألته عما لم أفهمه فأبان
معناه على عادته، وظهر عليه الفرح بما تجدد عندي من الرغبة في المطالعة والميل
إلى الفهم.
كانت هذه الرسائل تحتوي على شيء من معارف الصوفية وكثير من
كلامهم في آداب النفس وترويضها على مكارم الأخلاق وتطهيرها من دنس الرذائل
وتزهيدها في الباطل من مظاهر هذه الحياة الدنيا.
لم يأت عليَّ اليوم الخامس إلا وقد صار أبغض شيء إلى ما كنت أحبه من
لعب ولهو، وفخفخة وزهو، وعاد أحب شيء إلى ما كنت أبغضه من مطالعة وفهم
وكرهت صور أولئك الشبان الذين كانوا يدعونني إلى ما كنت أحب ويزهدونني في
عِشْرة الشيخ رحمه الله فكنت لا أحتمل أن أرى واحدًا منهم بل أفر من لقائهم جميعًا
كما يفر السليم من الأجرب.
في اليوم السابع سألت الشيخ ما هي طريقتكم فقال: طريقتنا الإسلام فقلت أو
ليس كل هؤلاء الناس بمسلمين؟ قال لو كانوا مسلمين لما رأيتهم يتنازعون على
التافه من الأمر ولما سمعتهم يحلفون بالله كاذبين بسبب وبغير سبب. هذه الكلمات
كانت كأنها نار أحرقت جميع ما كان عندي من المتاع القديم - متاع تلك الدعاوى
الباطلة والمزاعم الفاسدة، متاع الغرور بأننا مسلمون ناجون، وإن كنا في غمرة
ساهين، سألته: ما وردكم الذي يتلى في الخلوات أو عقب الصلوات؟ فقال: لا
ورد لنا سوى القرآن تقرأ بعد كل صلاة أربعة أرباع مع الفهم والتدبر. قلت: أنى لي
أن أفهم القرآن ولم أتعلم شيئًا؟ قال: أقرأ معك ويكفيك أن تفهم الجملة وببركتها
يفيض الله عليك التفصيل وإذا خلوت فاذكر الله على طريقة بينها.
وأخذت أعمل على ما قال من اليوم الثامن فلم تمض عليَّ بضعة أيام إلا وقد
رأيتني أطير بنفسي في عالم آخر غير الذي كنت أعهد [1] واتسع لي ما كان
ضيقًا، وصغر عندي من الدنيا ما كان كبيرًا، وعظم عندي من أمر العرفان
والنزوع بالنفس إلى جانب القدس ما كان صغيرًا، وتفرقت عني جميع الهموم ولم
يبق لي إلا هم واحد وهو أن أكون كامل المعرفة كامل أدب النفس ولم أجد إمامًا
يرشدني إلى ما وجهت إليه نفسي إلا ذلك الشيخ الذي أخرجني في بضعة أيام من
سجن الجهل إلى فضاء المعرفة، ومن قيود التقليد إلى إطلاق التوحيد، - هذا هو
الأثر الذي وجدته في نفسي من صحبة أحد أقاربي وهو الشيخ درويش خضر من
أهالي (كنيسة أدرين) من مديرية البحيرة. وهو مفتاح سعادتي إن كانت لي سعادة
في هذه الحياة الدنيا، وهو الذي رد لي ما كان غاب عن غريزتي، وكشف لي ما
(يُتْبَعُ)