وهنا ذهبت بي الحيرة كل مذهب، وكأني إزاء لغز هو من الغيب الأغيب .. أيُعقل أن يكون الشوكاني فرغ من المجلد الثاني والأخير سنة 1111 هـ، ثم تذكر أنه لم ينجز المجلد الأول، فخرج سنة 1175 هـ من سردابه، وظل يكتب مجلد"النيل"الأول إلى غاية عام 1208 هـ؟!
ممكن! فاليمن السعيد بلد العجائب .. ألم ينتقل عرش ملكته"بلقيس"إلى النبي سليمان (عليه السلام) في لمح البصر، وهو يبعد عنها بآلاف الأميال؟! وأراني - بفضل"ابن حلاق"- غارقا في إحدى عجائبه، لأني لم أحسبها لُجّةً ولم أكشف عن ذراعَيّ ...
ولفرط حيرتي، فكرت أن أرسل أحدا إلى صنعاء ليجيئني منها بنبإٍ يقينٍ، مِنْ قِبَل الشوكاني لا مِن قِبَل الأستاذ"ابن حلاق"، فقد خشيتُ أن يرسِل إليَّ هذا الأخير بهدية لينظر بم يرجع المرسَلون ... وبينما أنا غارق في غياهب الشك، إذ بعيني تهمس في أذني:"أنا هدهد العقل، ولا يستقيم العقل إذا لم يصحّ النقل". ثم نقلتني إلى الصفحة 79 من"مقدمة ابن حلاق"، وإذا بي أرى فيها صورة لإحدى ورقات المخطوط، مكتوب تحتها: [الصفحة الأخيرة من المجلد الثاني] . ومن هذه الصفحة، نقلت لي عيني ما يلي:
" ( ... ) وكان الفراغ في نهار الخميس في اليوم السابع والعشرين من أيام شهر الحجة الحرام سنة إحدى وعشرين ومائتين وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام" (النيل، 79)
فنازعتُ عيني في روايتها ولم أصدِّقها .. وإكراما للأستاذ"ابن حلاق"، أرسلت عيني الأخرى وقلت لها:"تبيّني! أن نصيب قوما بجهالة فنصبح على ما فعلنا نادمين!"فعادت مصدّقةً أختها. لكنها أضافت ملاحظة (والعين تلحظ) ، تلقيتها بالقبول معتبرا إياها زيادة ثقة، ومفادها أن كلمة"مائتين"مكتوبة بهذا الشكل"مائة ين"؛ وكأن المؤلف كتب سهوا"مائة"ثم استدرك فوصل التاء المربوطة بالياء والنون.
فقلت في نفسي: سها الشوكاني فأنقص مائة، ووهم"ابن حلاق"فزاد مائة في عمر الأول! والفرق بينهما: أن الأول استدرك، أما الثاني فلم يدرك ...
وهَبْ أن الشوكاني أثبت 1111 هـ تاريخًا لفراغه من تأليف"نيل الأوطار"، هل هذا مبرر لإثباته على علاته دون تعليق أو توضيح، ولوثبت من ألف طريق أن الشوكاني كان جزءًا من الغيب في تلك السنة؟!
وإذا كان"وهم"كهذا وقع في مقدمة التحقيق، فماذا عن التحقيق نفسه؟
وإذا كان"المحقق"يخطئ في قراءة مفاتيح المخطوط، ثم لا يشير -من باب الأمانة العلمية- إلى اللبس الذي اعترضه عند القراءة، إن كان هو الذي قرأه؛ فكيف تسنى له تحقيق المخطوط؟ وكيف لنا أن نثق في ضبطه؟
وكنت من قبل أتساءل: ما الذي جاء بابن الفيحاء إلى صنعاء؟ لكنني الآن، بفضل قصيدة"شوقي"، أدركت الجواب: إنها الريح!
وها هي ذي الحمامة الحجازية الفطنة تحمّلني رسالة إلى"ابن حلاق"قائلة له:
هَبْ جنَّةَ الخُلْدِ اليَمَنْ لا شيءَ يعدل الوطنْ!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1) : في صورة هذه الصفحة من المخطوط:"شهر الحجة الحرام". وقد أغفل المحقق"الحرام"هنا، ولم يشر إلى الباعث على ذلك، ولعل"الباعث"لم يكن بـ"الحثيث"...
(2) أي: تاريخ الفراغ منه، لا ما سبق من كلام.
ـ [يحيى صالح] ــــــــ [17 - Oct-2008, مساء 03:16] ـ
و الله إنني لأقرأ العجب العجاب فلا أتعجب منه كما تعجبتُ من هذه العجيبة، فهل تعجبون منه كما تعجبتُ أنا منه أم لم تعجبوا منه كما عجبتُ أنا منه؟
هل منكم مَن يستطيع إعادة ما قلتُ؟. (ابتسامة)
ـ [الواحدي] ــــــــ [18 - Oct-2008, صباحًا 11:36] ـ
و الله إنني لأقرأ العجب العجاب فلا أتعجب منه كما تعجبتُ من هذه العجيبة، فهل تعجبون منه كما تعجبتُ أنا منه أم لم تعجبوا منه كما عجبتُ أنا منه؟
هل منكم مَن يستطيع إعادة ما قلتُ؟. (ابتسامة)
جزاك الله خيرًا، أخي يحيى، عن التفاتتك الباسمة. فقد ظننتُني الوحيد الذي قرأ الموضوع فتعجَّب. (ابتسامة، ليست من قبيل"جزيت عن ابتسام بابتسام"!)
ـ [الرابية] ــــــــ [18 - Oct-2008, مساء 04:05] ـ
إعجاز عظيم
وإنجاز كبير
هنيئنا لك وهنيئا لك
كل هذه العبارات التهكمية لكي تنال من هذا الشيخ الذي جلس للتحقيق
هب أنه أخطاء وكلنا ذاك
وقد يكون البعض لا يرتاح لتحقيقاته ولا يروق له ذلك
وإذا وجد خطاء نبه للنصيحة لا للتهكم
رزقني الله وإياك الإخلاص في الدين
ـ [عدنان البخاري] ــــــــ [18 - Oct-2008, مساء 04:24] ـ
/// بارك الله فيك على التنبيه على هذا الخطأ (اليسير) !!
ولكن .. كما قيل:"تمخَّض الجبل فولد فأرًا".. ألخِطأ في عبارة أومعلومةٍ قد تكون من ذهولٍ أوغفلةٍ بنيت عليها هرمًا كهرم"خفرع"و"خوفو". (ابتسامة) !! وحشدَّت عساكر جملك ودساكر ألفاظك .. هداك الله.
/// قد يوجد من ينتقد المحقق (الحلَّاق) في تحقيقاته، ولكن لا بمثل هذه الأخطاء، التي قد تكون من الذهول غالبًا، وليست معيارًا وحيدًا يقاس به عمل المحقِّق .. فليتك تفرَّغت لنقد تحقيقه نقدًا بعيدًا عن هذا التشنُّج والتهويل!!
(يُتْبَعُ)