وداخل هذا التقسيم راعى اعتبارات أخرى، فقدم المهاجرين على الأنصار، وقدم في المهاجرين من هو أقرب دمًا وصلة برسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، وفي الأنصار قدم الأوس على الخزرج.
* الأساس الثالث: مكانيّ، فبعد أن فرّغ مادته في طبقات الصحابة القائمة على الأساس الزماني، انتهج أساسًا مكانيًا؛ حيث وضع تراجم وفق المكان والبلد، فترجم لرجال المدينة، فمكة، فالطائف، ثم اليمن، واليمامة، والبحرين، والكوفة، والبصرة، وواسط، وبغداد، وخراسان، والري، وهمدان، وقم، والأنبار، والشام، والجزيرة، ثم العواصم والثغور، فمصر، فإيلة، فإفريقية، فالأندلس.
ثم رتب تراجمه في كل مكان من هذه الأماكن ترتيبًا زمنيًا، فبدأ بالصحابة الذين نزلوا البلد والمصر، إن كان منهم من نزله، ثم الطبقة الأولى من التابعين الذين عاشوا مع الصحابي الذي نزل المدينة أو البلد، ثم الطبقة الثانية، ثم التي تليها ...
غير أن هذا التقسيم أوقع ابن سعد في التكرار، فقد يكون مترجما لأحد الأشخاص في أكثر من موضع، كأن يكون من أهل بدر وهاجر إلى مِصْرٍ من الأمصار، فتتكرر ترجمته مرتين، ومع هذا فإن ابن سعد تلافى وضوح هذا الأمر بأن أطال الترجمة في موطن واحد وأوجز في المواطن الأخرى.
يعد الكتاب من أول ما أُلّف في هذا الموضوع، وكان أحد النماذج الأولى في موضوع التراجم التي تطورت منهجيته بعد ذلك، وتفرع فروعًا عديدة، فأصبح هناك قسم خاص لتراجم الصحابة، وآخر لرواة الحديث وضعت فيه مؤلفات مستقلة، مثلما فعل البخاري في كتابه"التاريخ الكبير"، وانفرد كل علم بالترجمة لرجاله؛ فهناك طبقات للفقهاء والمحدثين والشعراء واللغويين، كما تطورت منهجية التقسيم حتى صار الاعتماد على الترتيب الألفبائي هو الغالب في الترتيب.
وقد اعتمد على هذا الكتاب مَنْ تعرّض لتراجم الصحابة والتابعين؛ فكان مصدرًا مهمًا لابن عساكر في كتابه"تاريخ دمشق"، والذهبي في"سير أعلام النبلاء"، وتاريخ الإسلام وابن حجر في كتابيه:"الإصابة"، و"تهذيب التهذيب".
وقد بدأ في نشر الكتاب جماعة من العلماء الألمان منذ سنة (1321هـ = 1903م) بإشراف"شماو"في"برلين"، ثم تعددت طبعاته بعد ذلك.
وتوفي ابن سعد في بغداد في (4 من جمادى الآخرة 230هـ = 17 من يناير 892م) .
هوامش ومصادر:
ابن خلكان: وفيات الأعيان- تحقيق إحسان عباس- دار صادرة- بيروت (1398هـ = 1978م) .
ابن سعد: الطبقات الكبرى- دار صادر- بيروت (د. ت) .
عز الدين عمر موسى: ابن سعد وطبقاته- دار الغرب الإسلامي- بيروت (1407هـ = 1987م) .
شاكر مصطفى: التاريخ العربي والمؤرخون- دار للعلم للملايين- بيروت (1983م) .
يوسف هوروفتس: المغازي الأولى ومؤلفوها- ترجمة حسين نصار- مطبعة مصطفى البابي الحلبي- القاهرة (1949م) .