ويحدثنا المؤرخ أبو نصر العتبي عن هذا الكتاب ومكان وجوده في وقته فيقول: (وقد كان - يعني خَلفَ بنَ أحمد - جَمَعَ العلماءَ على تصنيفِ كتابٍ في تفسير كتاب الله تعالى، لم يُغادِر فيه حرفًا من أقاويل المفسرين، وتأويل المتأولين، ونُكَتِ المُذكِّرين، وأَتبعَ ذلك بوجوه القراءاتِ، وعِللِ النَّحوِ والتصريفِ، وعلامات التذكير والتأنيث، ووشَّحها بِما رواهُ عن الثقات الأثبات من الحديث. وبلغني أَنَّه أَنفقَ عليهم مدةَ اشتغالِهم بِمعونتهِ على جَمعِه، وتصنيفهِ عشرين ألف دينارٍ، ونسختها بنيسابور في مدرسة الصابونية، لكنَّها تَستغرقُ عُمرَ الكاتبِ، وتستنفدُ حِبْرَ الناسخِ، إِلا أَن يتَقاسَمها النُّسَّاخُ بالخطوطِ المختلفة) . أ. هـ.
وهذا التفسير الموسوعي يقع في مائة مجلد، كما نقل المنيني (ت1172هـ) في كتابه (الفتح الوهبي على تاريخ أبي نصر العتبي) 1/ 375 عن الكرماني قوله: (تفسيرُ خَلَفٍ مشهورٌ مذكورٌ، وهو مائة مُجلَّد، وبعضُ مُجلداتهِ نُقل إلى خزانة الكتب بالمسجد المنيفي - كذا في المطبوع والصواب: المنيعي - من مدرسة الصابوني بعد خرابِها، وهي الآن فيها) . أ. هـ
وقال ابن الأثير يصف هذا التفسير: (وله كتابٌ صنَّفَهُ في تفسيرِ القُرآنِ من أكبرِ الكتب) .
وقال ابن خلدون في تاريخه 4/ 481: (ثُمَّ هَلَك خَلَفُ سنة تسعٍ وتسعين وثلثمائة ... وكان خَلَفُ كثيرَ الغاشيةِ من الوافدين والعلماءِ، وكان مُحسنًا لهم. أَلَّف تفسيرًا جَمعَ له العلماءَ من أهل إِيالتهِ، وأنفق عليهم عشرين ألف دينارٍ، ووضعه في مدرسة الصابوني بنيسابور، ونَسخُهُ يستغرقُ عمرَ الكاتبِ إِلا أن يُستغرقَ في النَّسخِ) .
وإذا كان تفسير الطبري المختصر في ثلاثة الآف ورقةٍ، وقد طُبِعَ الآنَ عدة طبعاتٍ، منها ما هو في ثلاثين جزءًا، ومن آخرها ما يقع في أربعة وعشرين مجلدًا، فثلاثين ألف ورقةٍ ستكون في مائتين وستين مُجلَّدًا تقريبًا، وهوحَجمٌ - إِن صَحَّت طريقتي في الحسابِ أو قاربت - يفوقُ ما كُتِبَ فيه تفسيرُ خَلَفٍ السجستانيِّ الذي كتبَ في مائة مُجلَّدٍ، غير أن الطبري كان وحده من جهةٍ، وكان ضعف همة طلابه عن الكتابة مانعًا من جهة أخرى، وأما خلف فقد جمع لذلك لجنةً علمية من العلماء، وأشرف على الأمر بنفسه، وكان ذا مال وافرٍ أنفق منه على هذا المشروع.
وتفسير خلفٍ هذا مفقودٌ اليوم حسب علمي، ولعل هذا التفسير الذي أشرف عليه خلف السجستاني المَلِكُ العالِمُ، وأَنفق عليه بنفسهِ، وشارك فيه ولا بد لكونهِ من العلماء كما ذكر أهلُ التراجم، يكون قد استوعبَ - أوكاد -ما كتب في التفسير قبله، ومعظمها فقدت في الأزمنة المتأخرة، ولو عُثِر على هذا السِّفرِ الطويل لأضاف شيئًا كثيرًا لكتب التفسير؛ لأنَّ منهجه الاستيعاب والاستقصاء فيما يظهر والله أعلم. وكان في نيتي تتبع أسماء العلماء الذين أعانوا خلفًا على تصنيف هذا التفسير، ولكن لم أتمكن من ذلك بعدُ.
* وصف الكتاب ومنهجه:
ذكر أبو نصر العتبي أَنَّ هذا التفسير:
-لم يُغادِر فيه حرفًا من أقاويل المفسرين.
-وتأويل المتأولين.
-ونُكَتِ المُذكِّرين.
-وأَتبعَ ذلك بوجوه القراءات.
-وعِللِ النَّحوِ والتصريفِ، وعلامات التذكير والتأنيث.
-ووشَّحها بِما رواهُ عن الثقات الأثبات من الحديث.
وذكر الذهبي في وصف التفسير أَنَّه:
-حَاوٍ لأقوالِ المُفسِّرينَ.
-والقُرَّاءِ.
-والنُّحاةِ.
-والمُحدِّثينَ.
فتبيَّنَ لنا مِن وَصفِهم لهذا التفسيرِ الموسوعيّ:
1 -أنه قد جَمعَ ما روي من تفسير النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم، وتفسير الصحابة والتابعين وتفسير السلف مِمَّن جاءَ بعدهم، وجَمع أَقوالَ المُفسِّرينَ قَبلَهُ، وتأويل المتأولين الذين صنفوا في التفسير قبله كالطبري وغيره.
2 -وأنه جَمعَ وجوهَ وأَقوال عُلماءِ القراءات في توجيه القراءات القرآنية، فجاء حافلًا بهذا، والوقت الذي صنف فيه هذا التفسير معاصر لزمن أبي علي الفارسي الذي يُعَدُّ من أوسعِ مَنْ صنَّف في تَوجيه القراءاتِ، ولَهُ في ذلك كتابُ الحُجَّة وغيره.
(يُتْبَعُ)