وإن السياسة تستفاد هنا من وجوه عدة:
الأول: تعليل المقصد من فعل المنافقين وذكر الباعث لهم على بناء المسجد, وذلك من أوجه عدة:
أولًا: مقصد الضرار لغيرهم, وهو المضارة.
ثانيًا: مقصد الكفر بالله والمباهاة لأهل الإسلام, لأنهم أرادوا ببنائه تقوية أهل النفاق.
ثالثًا: مقصد التفرق بين المؤمنين, لأنهم أرادوا ألا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعة المسلمين, وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة ما لا يخفى.
رابعًا: مقصد الإرصاد أي الانتظار لمن حارب الله ورسوله وهم المنافقون.
الثاني: لما كان الحق وهو بناء المسجد وسيلة للمضارة حرمت الوسيلة سدا للذريعة.
الثالث: من أهداف سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم العظمى مع المنافقين الحرص على ترابط الصف, فلما جاء ما يناقضه حسمه وقطعه من أصله.
الرابع: من أوجه السياسة العجيبة النظر للفعل بغض النظر عن الفاعل, فلا الآيات ولا الأحاديث تحدثت عن إجراء مع الفاعلين, مع العلم بهم ومعرفتهم, إلا أن الخطاب في الآية توجه إلى النهي عن القيام فيه, مع بيان سبب ذلك.
الخامس: قال ابن القيم"فصل: ومنها: تحريق أمكنة المعصية التي يُعصى الله ورسوله فيها وهدمهما, كما حرق, رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار, وهو مسجد يصلى فيه, ويذكر اسم الله فيه, لما كان بناؤه ضرارًا وتفريقًا بين المؤمنين, ومأوى للمنافقين, وكل مكان هذا شأنه, فواجب على الإمام تعطيله, إما بهدم وتحريق, وإما بتغير صورته وإخراجه عما وضع له".
تأليف قلوب المنافقين
فقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم بعضا وترك بعضا يتألف من يرى المصلحة في تألفه
قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} قال الإمام الطبري:"وأما المؤلفة قلوبهم فإنهم قوم كانوا يتألفون على الإسلام, ممن لم تصح نصرته؛ استطلاحًا به نفسه وعشيرته", وقال القرطبي. لا ذكر للمؤلفة قلوبهم في التنزيل في غير قسم الصدقات, وهم قوم كانوا في صدر الإسلام ممن يظهر الإسلام [فكانوا] يتألفون بدفع سهم من الصدقات إليهم لضعف يقينهم"."
لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه
أما سياسته صلى الله عليه وسلم في جانب التعامل مع المعترضين عليه في قسمته للأموال فكانت مبنية على مراعاة المصلحة في اتخاذ القرار, ومراعاة الظروف الخارجية.
فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال:"أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة, منصرفه من حنين, وفي ثوب بلال فضة, ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها يعطي الناس, فقال: يا محمد اعدل. قال:"ويلك! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل"فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق فقال:"معاذ الله! أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي, إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم, يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية"."
فرسول الله صلى الله عليه وسلم هنا ذكر ما يمنعه من اتخاذ ما يجازيهم به؛ من أنه يخشى أن يتحدث الناس أن محمدا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه؛ وذكر صلى الله عليه وسلم أنه إن بقى ليقتلنهم قتل عاد, فهذه سياسته صلى الله عليه وسلم تراعي المصالح والأحوال وترصد لكل حال وحكمته. فالحكم هنا واضح أن من شأنه التغير والتبدل تبعًا للحال والمصلحة.
الحكمة من ستر المنافقين
تجدر الإشارة هنا إلى أن منهج القرآن بعامة والسنة في الجملة عدم تعيين أسماء المنافقين؛ لفوائد منها:
·"أن الله ستير يحب الستر على عباده."
· أن الأصل نقد القول والفعل لا الذوات, وحتى يربط الناس بالأقوال والأفعال لا بالذوات, وهذا جانب تربوي مفيد.
·"أخذ الناس بظواهرهم, وترك سرائرهم إلى الله, وهو منهج فريد تميز به الإسلام عن سائر النظم والأديان, ومع أن المنافقين أشد كفرًا من المشركين فلم يؤاخذوا إلا بما ظهر منهم, مع علم الرسول صلى الله عليه وسلم بما هم عليه من النفاق الأكبر."
ولكن القضية قضية منهج, وليست قضية أفراد يتم القضاء عليهم, ثم ينتهي الأمر, لأن المسألة أعمق من ذلك وأبعد, فجاء العلاج متوازيًا مع حجم المشكلة وأبعادها وآثارها"."وهذا المنهج قد حقق آثارًا إيجابية ضخمة, .... ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نهاية المطاف ردًا على عمر ـ الفاروقـ الذي طالمًا طالب بقتل المنافقين حمية لدين الله":"كيف ترى ياعمر, أما والله لو قتلته يوم أمرتني بقتله لأرعدت له آنف, لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته". فقال عمر والله علمت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري,"وهذا المنهج هو الذي أدى إلى قتلهم معنويًا, دون الحاجة إلى قتل أي فرد منهم حسيًا.
وأخيرا لن يعدم قارئ البحث فوائد هامة مثل: حكم الاستعانة بالمنافقين في الحرب، وسياسته صلى الله عليه وسلم مع المنافقين في أثناء القتال وبعد انتهاء القتال كالتعامل مع المتخلفين عن الغزو، فجزى الله الباحث خيرا على ما قدم.
المصدر:
من هنا ( http://www.islammessage.com/articles.aspx?cid=1&acid=13&aid=3014)
(يُتْبَعُ)