لفظ على غيره لم يكن هذا اللفظ الفائز في المعركة أحسن الألفاظ دائما. فلا بد إذن من توجيه هذا التطور حتى يبلغ غايته. والوسيلة الوحيدة للتوجيه الصحيح تقتضي إنشاء مجمع علمي واحد ينتقي من الاصطلاحات التي اهتدى اليها النقلة المتخصصون اصطلاحا واحدا يثبته ويحله حظيرة اللغة، لا أن يضع هو نفسه اصطلاحا علميا جديدا. ذلك لأنه ليس من شأن المجامع العلمية أن تضع الاصطلاحات، وإنما هي بمثابة عضو رئيس في جسم العلم، ينقح ما يكشفه العلماء، ويمحصه، وينظمه، ويثبته. واذا تخطّت المجامع العلمية هذا الحد الذي يجب عليها الوقوف عنده، عرّضت نفسها لكثير من الخطأ والغلط والنقد.
ان لكل علم لغة فنية، والعلماء المتخصصون وحدهم يفهمون هذه اللغة. فأنت لا تفهم معنى كلمة (تفاعل) إلا إذا كنت كيماويا، كما أنك لا تفهم معنى الساحة المغناطيسية إلا إذا كنت فيزيائيا. ومن كان طبيبا كان قادرا على الكلام عن المرض بلغة لا يفهمها المريض.
وكذلك لما كانت الألفاظ التي يستعملها الفلاسفة لا تختلف عن الألفاظ التي يستعملها الأدباء، والصحافيون، والمحامون، كان الاختلاف فيها ادعى الى الاشكال والاضطراب. ان رجال الأدب لا يستغنون عن اصطلاحات علم النفس، كما ان رجال السياسة لا يستغنون عن اصطلاحات علم الاجتماع، والاخلاق. ولكن الفلاسفة الذين يستعملون كلمة ذاكرة، وعقل، وحقيقة، وواجب، وحرية، وإرادة، لا يبلغون غايتهم إلا إذا كانت هذه المعاني المتصورة في أذهانهم محدّدة ومعرّفة. وكثيرا ما يكون لبعض هذه الألفاظ في أذهانهم معان مخالفة لما يتصوره المحامون والأطباء والمهندسون. فينبغي لنا، إذا شئنا أن نختار اللفظ الموافق للمعنى العلمي المقصود، أن نعتمد في ذلك على أرباب الاختصاص، لأن صاحب البيت أدرى بالذي فيه. ومتى عرض علينا المتخصصون ألفاظهم