لا تتبدل الحقائق بتبدل الألفاظ التي أفرغت فيها. ان الألفاظ حصون المعاني، وتثبيت الاصطلاحات العلمية هو الحجر الأساسي في بناء العلم.
فاذا أقيم هذا البناء على أساس متحرك، لم يبلغ الغاية التي أنشىء من أجلها.
قد يقال إن الأساس في العلم هو الكشف عن الحقائق، وان الحقيقة اذا كشفت، فبأي لغة بلغت الأفهام، فذلك هو البيان المطلوب. ولكن هذا القول يهمل ناحية أساسية من الاصطلاحات العلمية، وهي أن السبب الذي من أجله احتيج الى وضعها لا يقتصر على الإفهام وحده، لأن العالم بالشيء يفهمه، مهما تكن اللغة التي تستعملها في تفهيمه إياه، ركيكة ومضطربة. ولكن تثبيت الاصطلاحات العلمية لا يفيد العلماء وحدهم، بل يفيد المعلمين والمتعلمين كما يفيد جمهور القراء. فله إذن فائدة تربوية، وفائدة اجتماعية معا.
أما الفائدة التربوية، فهي أن تثبيت الاصطلاحات يستلزم تحديد معاني الألفاظ وتوضيحها، فلا يستعمل اللفظ إلا فيما وضع له، ولا يدلّ على المعنى الواحد إلّا بلفظ واحد. وفي ذلك تيسير لعمل المعلمين والمتعلمين معا. لأن المعاني إذا كانت محددة، سهل على المعلم شرحها وعلى المتعلم فهمها. وكذلك الألفاظ، إذا كانت مطابقة للمعاني، صار استعمالها أدق، ووضوحها أتم. وقد عرفنا بالتجربة أن التلاميذ الذين يقرأون النصوص الفلسفية من دون أن تشرح لهم ألفاظها يضيعون زمانا طويلا في تفهم ما يقرأون دون بلوغ الغاية المرجوة. وكثيرا ما يورثهم هذا الأمر كرها للفلسفة، وعجزا عن التقدم فيها، حتى ان بعضهم يعتاد استعمال الألفاظ الفارغة، فيردد ما يقرؤه كالبيغاء، أو يلوكه كما يلوك الطفل طعامه، وهذه العقول البيغائية، التي تردد الألفاظ الفارغة، تعجز في مستقبل حياتها الفكرية عن الإنتاج العلمي. وربما كانت