وبما ركب فيه من القدرة على تحصيله، إلّا أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غير موفية بمادة حياته منه» (المقدمة، الباب الأول من الكتاب الأول في العمران البشري، ص 69 من طبعة دار الكتاب اللبناني) واذن لا بدّ في ذلك كله من التعاون، ولا بدّ من أن يفضي هذا التعاون الطبيعي إلى وجوب التضامن بين أفراد النوع الانساني حتى تتم به حياتهم. ومعنى ذلك كله أن التضامن واجب خلقي مبني على ضرورة طبيعية.
ومن قبيل ذلك أيضا أن (ليون بورجوا) ، لما وجد أن الأجيال الحاضرة مدينة للأجيال السابقة، استخرج من ذلك واجبا خلقيا سماه بواجب التضامن، فقال: هناك تضامن واقعي، وتضامن واجب، لا ينبغي أن نخلط أحدهما بالآخر، انهما متضادان ولكن لا بد لك من الاقرار بالأول حتى تدرك وجوب الثاني، ( eihposolihP, sioegruoB noeL 13 - p etiradiloS al ed) .
وقد فرق (دوركهايم) بين التضامن المكانيكي، أي التضامن المبني على التشابه (كردّ الفعل المشترك الذي تثيره الجريمة) ، والتضامن العضوي، أي التضامن المبني على تقسيم العمل الحيوي، أو الاجتماعي (كتضامن الزارع والحداد، وتضامن الآباء والأبناء) ، إلّا أن هذا التمييز، على ضرورته، لا يخلو من الالتباس، لما في الجمع بين لفظي التضامن والمكانيكي من تناقض، وسبب هذا التناقض تشبيه التضامن المكانيكي بالتحام أجزاء الجسم الصلب وحركتها معا في نظام واحد، وهذا خطأ لأن الجسم الصلب إذا تحرك رسمت أجزاؤه في بعض الأحيان حركات متنوعة (كالدوران والانتقال) ، ولأن التضامن المبني على التشابه بين أفراد المجتمع (كاستنكارهم للجريمة مثلا) ليس نتيجة طبيعية لحادثة واقعية فحسب، وانما هو نتيجة ضرورية لإيمان الإنسان بالمثل الأعلى، لذلك كله استبدل العلماء باصطلاح التضامن المكانيكي اصطلاح التضامن المبني على التشابه أو الاتحاد.
وفرقوا أيضا بين التضامن والاحسان، فقالوا: «ان الاحسان هو التزام القوي أو الغني معاونة الضعيف أو الفقير.