عن تضامن الأجيال المتعاقبة. وشاع هذا المعنى في القرن التاسع عشر شيوعا كبيرا، حتى أطلقه العلماء على تضامن العلم والفن، وعلى تضامن علم الأخلاق وعلم اللاهوت، وعلى تضامن الظواهر الطبيعية في الأجسام الحية، وهذا التضامن الذي أشار إليه (اوغوست كومت) و (كلود برنارد) إنما هو تضامن طبيعي طوعي يحدث من تلقاء نفسه على خلاف التضامن الواجب الذي يأمر به القانون.
وإذا كانت علاقة الشيء بالشيء مقصورة على تأثير الأول في الثاني، كان التضامن بينهما من جهة واحدة، كعقرب الدقائق الذي يقود عقرب الساعات من دون أن يكون لحركة الثاني تأثير في حركة الأول. ومعنى ذلك أن حركة عقرب الساعات متضامنة مع حركة عقرب الدقائق، على حين أن حركة عقرب الدقائق مستقلة عن حركة عقرب الساعات، وهذا التضامن المقصور على جهة واحدة شبيه بتضامن العلة والمعلول في علم (المكانيك) : العلة تؤثر في المعلول، ولكن المعلول لا يؤثر في العلة. ومن قبيل ذلك أيضا ما ذكره (اوغوست كومت) عن تأثير الأجيال المتعاقبة بعضها في بعض، فالجيل السابق يؤثر في الجيل اللاحق، وكل ظاهرة اجتماعية حاضرة تحمل آثار الماضي، كأن الحاضر كما يقول (ليبنيز) ، مثقل بالماضي وممتلئ من المستقبل. على أن (اوغوست كومت) لا يسمي هذا التأثير تضامنا بل يسميه اتصالا، وهو إذا شئت تضامن طبيعي، يمكن أن يتخذ أساسا لقاعدة خلقية عامة، توجب على كل جيل أن يعطي الجيل الذي يليه ما أخذه عن الجيل السابق، وأن يضيف إليه ما عنده، حتى تتصل الأجيال بعضها ببعض، وتبلغ الحضارة غايتها.
ويسمى هذا الواجب الملقى على عاتق كل جيل بواجب التضامن ( etiradiloS ed rioveD) . ويطلق واجب التضامن أيضا على التزام أفراد المجتمع إعانة بعضهم بعضا.
وإذا كان التعاون بينهم واجبا فمرد ذلك إلى كونهم أعضاء جسم واحد، قال ابن خلدون: «إن اللّه سبحانه خلق الانسان وركبه على صورة لا يصح حياتها وبقاؤها إلا بالغذاء، وهداه إلى التماسه بفطرته،