الْكِتَابُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الْبُيُوعِ هُوَ جَمْعُ بَيْعٍ جَمْعُ كَثْرَةٍ ، وَإِنَّمَا جُمِعَ الْبَيْعُ لِلتَّصْرِيحِ بِأَنَّهُ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ وَإِلَّا فَهُوَ مَصْدَرٌ يَصْلُحُ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالْبَيْعُ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ لِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } ، وَمُنْكِرُهُ مُشْرِكٌ ، وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِيهِ ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ تَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ غَالِبًا وَصَاحِبُهُ قَدْ لَا يَبْذُلُهُ ، فَفِي تَشْرِيعِ الْبَيْعِ وَسِيلَةٌ إلَى بُلُوغِ الْغَرَضِ مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ وَهُوَ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ جَائِزٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَإِبَاحَتُهُ فِي آيَاتٍ أَظْهَرُهَا الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ وَهِيَ عَلَى عُمُومِهَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَقَدْ خُصَّ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ بُيُوعٌ كَثِيرَةٌ فَبَقِيَ مَا عَدَاهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ - وَهُوَ مَالِكِيٌّ -: الْبُيُوعُ الْجَائِزَةُ هِيَ الَّتِي لَمْ يَحْظُرْهَا الشَّرْعُ وَلَا وَرَدَ فِيهَا نَهْيٌ بَابٌ فِي تَعْرِيفِ الْبَيْعِ وَفِي أَنْوَاعِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ( يُطْلَقُ الْبَيْعُ ) لُغَةً عَلَى مُقَابَلَةِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ ، فَهُوَ شَامِلٌ لِلْبَيْعِ الشَّرْعِيِّ وَغَيْرِهِ كَبَيْعِ الْمَيْتَةِ وَكَالْأُجْرَةِ وَكَتَمْلِيكِ الْمَرْأَةِ بِالصَّدَاقِ وَلِلشِّرَاءِ الشَّرْعِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَ ( شَرْعًا عَلَى الْعَقْدِ ) فَهُوَ شَامِلٌ لِلشِّرَاءِ ، وَالْمُرَادُ الْعَقْدُ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي أُرِيدَ إخْرَاجُهُ مِنْ الْمِلْكِ عَلَى بَدَلٍ لَهُ قِيمَةٌ يَتَعَوَّضُ عَلَيْهِ وَهُوَ عَيْنُ مِلْكٍ ، أَوْ عَلَى ذَلِكَ الْبَدَلِ الْمَذْكُورِ ، ( وَعَلَى مُقَابِلِ الشِّرَاءِ ) وَمُقَابِلُهُ هُوَ الْمَشْهُورُ بِاسْمِ الْبَيْعِ .
وَكُلٌّ مِنْ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ يَنْبَغِي الِاهْتِمَامُ بِهِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى فَيَجِبُ أَنْ يُعْرَفَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ذَلِكَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِهِ وَحَقِيقَتُهُمَا مَعْرُوفَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى حَدٍّ ، وَقَدْ حَدَّ الْبَيْعَ بَعْضٌ بِأَنَّهُ: نَقْلُ الْمِلْكِ إلَى الْغَيْرِ بِثَمَنٍ ، وَالشِّرَاءَ بِأَنَّهُ: