بَابٌ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الِاسْتِئْذَانُ وَمَا لَا يَجِبُ فِيهِ ( يَجِبُ فِي بُيُوتِ الْغَيْرِ إنْ سُكِنَتْ ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا } وَمَعْلُومٌ أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى أَهْلِهَا ، تُنَازِعُهُ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا ، وَالْمُرَادُ بِأَهْلِهَا مَنْ سَكَنَهَا أَوْ كَانَتْ بِيَدِهِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ مِلْكًا لَهُ ، وَمَعْنَى: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ، أَنَّ الِاسْتِئْذَانَ وَالتَّسْلِيمَ مَنْفَعَةٌ وَاجِبَةٌ لَكُمْ لَا تَتْرُكُوهَا ، كَمَا أَنَّ الْبَدَنَ مَنْفَعَةٌ لَنَا يَجِبُ عَلَيْنَا الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهِ وَتَرْكُهُ شَرٌّ ، فَخَيْرٌ لَيْسَ وَصْفًا ، أَوْ أَصْلُهُ خَيِّرٌ بِشَدِّ الْيَاءِ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ ، أَيْ هُمَا أَمْرَانِ حَسَنَانِ حُسْنَ الْفَرَائِضِ إذْ هُمَا فَرْضَانِ ، أَوْ هُوَ اسْمُ تَفْضِيلٍ خَارِجٍ عَنْ التَّفْضِيلِ أَوْ بَاقٍ عَنْ التَّفْضِيلِ ، فَقَدْ يَظُنُّ الْجَاهِلُ أَنَّ فِي تَرْكِ الِاسْتِئْذَانِ وَالتَّسْلِيمِ حُسْنًا ، فَقَالَ اللَّهُ: إنَّ هَذَا أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ ، كَمَا كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَدْخُلُونَ بِدُونِ اسْتِئْذَانٍ وَيَقُولُونَ: صَبَاحُ الْخَيْرِ وَمَسَاءُ الْخَيْرِ ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَذَا أَفْضَلُ مِمَّا يَفْعَلُونَ لَوْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ .
وَقَدْ كَثُرَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ الْأَفْضَلِيَّةِ فِي الْوَاجِبِ دُونَ قَصْدِ عَدَمِ وُجُوبِهِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ } أَوْ الْمَعْنَى أَنَّهُمَا فِي الْوُجُوبِ أَشَدُّ مِمَّا تَفْعَلُونَ فِي الْقَبِيحِ ، كَقَوْلِكَ: الْخَلُّ فِي حُمُوضَتِهِ أَشَدُّ مِنْ الْعَسَلِ فِي حَلَاوَتِهِ ، وَمَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكُمْ خَيْرٌ أَنَّهُ يَجُوزُ الدُّخُولُ بِلَا اسْتِئْذَانٍ وَلَا يُسَلِّمُ ، لَكِنَّهُمَا أَفْضَلُ فَقَدْ كَفَرَ ، وَلَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَلَا حَدِيثٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ وَتُسَلِّمُ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ كَالرَّجُلِ كَمَا فِي بَيَانِ الشَّرْعِ ،