لِيَرْجِعَ وَيَزُولَ ذَلِكَ الْعَارِضُ وَالْغَالِبُ زَوَالُهُ أَوْ قِلَّتُهُ فِي الثَّلَاثَةِ وَعَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ: تَزُولُ الْهِجْرَةُ بِمُجَرَّدِ السَّلَامِ وَرَدِّهِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا يَبْرَأُ مِنْ الْهِجْرَةِ إلَّا بِعَوْدِهِ إلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَوَّلًا ، وَفِي"الْأَثَرِ": مَنْ هَاجَرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إنْ كَلَّمَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَإِلَّا فَلَا وِلَايَةَ لَهُ أَيْ إنْ كَلَّمَهُ عَقِبَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ خَرَجَ مِنْ الْإِثْمِ ، وَالْكَلَامُ يَشْمَلُ السَّلَامَ وَغَيْرَهُ ، فَأَفَادَ أَنَّهُ يَزُولُ الْهَجْرُ بِالْكَلَامِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ تَرَكَ الْكَلَامَ فَقَدْ هَجَرَهُ وَلَوْ سَلَّمَ ، قَالَ عِيَاضٌ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ إنْ تَرَكَ الْكَلَامَ وَلَوْ سَلَّمَ ، أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّ فِي بَاطِنِهِ عَلَيْهِ شَيْئًا وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ - وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَنْدَلُسِ -: أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْهِجْرَانُ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا لِمَنْ خَافَ مِنْ مُكَالَمَتِهِ مَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ دِينَهُ أَوْ يُدْخِلُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ دُنْيَاهُ مَضَرَّةً ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ جَازَ ، وَرُبَّ هَجْرٍ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِنْ مُخَاطَبَةٍ مُؤْذِيَةٍ .
وَقَالَ الْخَطَّابِيِّ: إنَّ هَجْرَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَالزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ لَا يَتَضَيَّقُ بِالثَّلَاثِ لِأَنَّ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَجَرَ نِسَاءَهُ شَهْرًا ، وَقِيلَ: إنَّ هُنَا مَقَامَيْنِ أَعْلَى وَأَدْنَى فَالْأَعْلَى اجْتِنَابُ الْمُهَاجَرَةِ جُمْلَةً فَيَبْذُلُ السَّلَامَ وَالْكَلَامَ وَالْمُوَادَّةَ بِكُلِّ طَرِيقٍ ، وَالْأَدْنَى الِاقْتِصَارُ عَلَى السَّلَامِ ، وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ إنَّمَا وَقَعَ لِمَنْ يَتْرُكُ الْمَقَامَ الْأَدْنَى ، وَأَمَّا الْأَعْلَى فَمَنْ تَرَكَهُ مِنْ الْأَجَانِبِ فَلَا يَلْحَقُهُ الْمَلَامُ بِخِلَافِ الْأَقَارِبِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ .