( بَابٌ ) فِي السَّعْيِ ( سُنَّ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بِوُجُوبٍ ) وَتَمَّ حَجُّ تَارِكِهِ أَعْنِي تَارِكَ التَّرَدُّدِ بَيْنَهُمَا أَصْلًا وَلَزِمَهُ دَمٌ ، وَبِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْكُوفِيُّونَ ، ( وَقِيلَ: فَرْضٌ ) لَا حَجَّ لِتَارِكِهِ وَبِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ ، وَقِيلَ: تَطَوُّعٌ لَا فَسَادَ بِتَرْكِهِ وَلَا دَمَ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: { لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } فَقِيلَ: إنَّ الْمَعْنَى لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِي أَنْ يَطَّوَّفَ فَهَذَا نَفْيٌ لِلْجُنَاحِ الَّذِي تُوُهِّمَ ثُبُوتُهُ ، كَانُوا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَخَافُوا أَنْ لَا يَكُونَ جَائِزًا بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ مَنْسُوخٌ إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ رَفْعًا لِلْجُنَاحِ الْمُتَوَهَّمِ ، أَوْ خَافُوا الْجُنَاحَ مِنْ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمَا حَجَرَانِ مَمْسُوخَانِ مِنْ إنْسَانٍ جُعِلَا عَلَيْهِمَا لِيُعْتَبَرَ بِهِمَا ثُمَّ عُبِدَا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ نَفْيًا لِلْجُنَاحِ ، أَوْ خَافُوا الْجُنَاحَ لِأَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَانُوا يُهِلُّونَ لِإِسَافٍ وَنَائِلَةَ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ ، وَهُمَا صَنَمَانِ ، ثُمَّ يَجِيئُونَ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَيَحِلُّونَ ، فَخَافُوا بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَنْ لَا يَجُوزَ الطَّوَافُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْإِهْلَالِ مِنْ الصَّنَمَيْنِ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ رَفْعًا لِلْجُنَاحِ .
وَنَفْيُ الْجُنَاحِ عَنْ الطَّوَافِ لَا يُفِيدُ وُجُوبَ الطَّوَافِ بَلْ يَحْتَمِلُ مَعَهُ وُجُوبُ الطَّوَافِ وَاسْتِحْبَابُهُ وَإِبَاحَتُهُ فَقَطْ وَهِيَ الْمُتَبَادَرَةُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ ، فَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ السَّعْيِ خَارِجُ الْآيَةِ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَعْتَمِرْ هُوَ وَلَا أَحَدٌ فِي زَمَنِهِ بِدُونِ سَعْيٍ ، وَأَيْضًا قَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَسْعَ } ، أَيْ مَنْ