وَاخْتَلَفُوا فِي التَّقْلِيدِ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَهِيَ مَسَائِلُ الِاعْتِقَادِ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ ، وَوُجُودِ الْبَارِي وَمَا يَجِبُ لَهُ أَوْ يَمْتَنِعُ مِنْ الصِّفَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَقَالَ كَثِيرُونَ ، وَرَجَّحَهُ الْفَخْرُ وَالْآمِدِيُّ: يَجِبُ النَّظَرُ ، وَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ فِيهِ الْيَقِينُ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } ، وَقَدْ عَلِمَ ذَلِكَ وَامْتَثَلَهُ ، وَقَالَ تَعَالَى: { وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ، وَيُقَاسُ غَيْرُ الْوَحْدَانِيَّةِ عَلَيْهَا ، وَقَالَ تَعَالَى: { قُلْ اُنْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } .
وَقَالَ تَعَالَى: { فَانْظُرْ إلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } ، وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ ، وَلَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى: { إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } ، الْآيَةَ ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { وَيْلٌ لِمَنْ لَاكَهَا - أَيْ مَضَغَهَا بَيْن لِحْيَيْهِ - وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا } أَوْعَدَ بِتَرْكِ التَّفَكُّرِ فَهُوَ وَاجِبٌ ، وَهَذَا الدَّلِيلُ ظَنِّيٌّ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْأَمْرِ لِغَيْرِ الْوُجُوبِ ، وَالْخَبَرِ خَبَرَ آحَادٍ ، لَكِنَّ الظَّنَّ كَافٍ فِي الْوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ ، وَهُوَ مُتَوَاتِرٌ ، وَالْمُتَوَاتِرُ يُفِيدُ الْقَطْعَ ، وَأَيْضًا مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَاجِبَةٌ ، وَلَا تَتِمُّ إلَّا بِالنَّظَرِ وَيُبْحَثُ بِأَنَّ إيجَابَ النَّظَرِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ حَتَّى يَعْتَقِدَ بِالْبُرْهَانِ إنَّمَا يُمْكِنُ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ أَوْجَبَهُ عَلَى الْعَارِفِ لَزِمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ لَزِمَ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ ، وَيُجَابُ بِاخْتِيَارِ الثَّانِي وَمَنْعِ لُزُومِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ لِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ تَصَوُّرُهُ لَا التَّصْدِيقُ بِهِ ، فَالْغَافِلُ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ الْخِطَابَ أَوْ لَمْ يَقُلْ لَهُ: أَنْتَ مُكَلَّفٌ لَا مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ .
وَقَالَ الْعَنْبَرِيُّ وَغَيْرُهُ: يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَجِبُ