بَلَغَ ثُلُثَ الطَّرِيقِ الْتَفَتَ ، وَإِذَا بَلَغَ نِصْفَ الطَّرِيقِ الْتَفَتَ ، وَإِذَا بَلَغَ ثُلُثَيْ الطَّرِيقِ الْتَفَتَ ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: رُدُّوهُ ثُمَّ يَسْأَلُهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ وَيَقُولُ: لِمَ الْتَفَتَّ ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَمَّا بَلَغْت ثُلُثَ الطَّرِيقِ تَذَكَّرْت قَوْلَك: { وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ } قُلْت لَعَلَّك تَغْفِرُ لِي ، وَلَمَّا بَلَغْت نِصْفَ الطَّرِيقِ تَذَكَّرْت قَوْلَك: { وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ } فَقُلْت لَعَلَّك تَغْفِرُ لِي ، وَلَمَّا بَلَغْت ثُلُثَيْ الطَّرِيقِ تَذَكَّرْت قَوْلَك: { قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ } ، فَازْدَدْت طَمَعًا ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى:"اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْت لَك".
وَقِيلَ: إنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُولُ: إلَهِي أَبْطَأْت ، فَهَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ: لَمْ تُبْطِئْ وَإِنَّمَا أَبْطَأَ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ وَالْعَفْوُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَدَ بِهِ النَّصُّ مُبَالَغَةً مِنْ الْعَافِي ، وَالْعَفْوُ لَهُ مَعْنَيَانِ: الْأَوَّلُ الْفَضْلُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: { وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ } يَعْنِي مَا فَضَلَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَمِنْهُ إعْفَاءُ اللِّحْيَةِ ، وَعَفَا مَالُ فُلَانٍ إذَا كَثُرَ ، فَالْعَفْوُ عَلَى هَذَا الِاشْتِقَاقِ الَّذِي يُعْطِي الْكَثِيرَ وَيَهَبُ الْفَضْلَ الْجَزِيلَ وَالثَّانِي: الْمَحْوُ وَالْإِزَالَةُ ، يُقَالُ: عَفَتْ الرِّيحُ الْآثَارَ إذَا أَزَالَتْهَا ، فَالْعَفْوُ فِي وَصْفِهِ تَعَالَى عَلَى هَذَا إزَالَةُ آثَارِ الْإِجْرَامِ بِجَمِيلِ الْمَغْفِرَةِ ، فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْفُو عَنْ الْعِبَادِ إجْرَامَهُمْ فَيُزِيلُ أَحْكَامَهَا ، وَيُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ فِي آخِرِ مَجْلِسِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَقْسَانَا قَلْبًا وَأَجْمَدِنَا عَيْنًا وَأَقْرَبِنَا بِالْمَعْصِيَةِ عَهْدًا ، وَكَانَ فِي بَلَدِهِ مُخَنَّثٌ مَعْرُوفٌ وَقَفَ عَلَى حَلَقَتِهِ فَقَالَ: أَعِدْ هَذَا الدُّعَاءَ ثَانِيًا ، فَأَنَا أَقْسَاكُمْ قَلْبًا ، وَأَجْمَدُكُمْ عَيْنًا ، وَأَقْرَبُكُمْ بِالْمَعَاصِي عَهْدًا