وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ: أَنَّ كُلَّ لَذَّةٍ وَمَطْلُوبٍ يُسَمَّى نِعْمَةً ، وَالنِّعْمَةُ الْحَقِيقَةُ السَّعَادَةُ الْأُخْرَوِيَّةُ ، وَتَسْمِيَةُ مَا سِوَاهَا نِعْمَةٌ وَسَعَادَةٌ غَلَطٌ أَوْ مَجَازٌ ، وَكُلُّ مَا يُوصِلُ لِسَعَادَةِ الْآخِرَةِ بِوَاسِطَةٍ أَوْ وَسَائِطَ فَتَسْمِيَتُهُ نِعْمَةٌ صَحِيحٌ وَصِدْقٌ ، فَالنِّعْمَةُ مَا يَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَمِيعًا أَوْ فِي الْآخِرَةِ كَالْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ ، وَمَا يَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا فَقَطْ أَوْ يَضُرُّ فِيهَا ، وَلَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ غَيْرُ نِعْمَةٍ أَوْ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ فِيهَا ، كَالْعَسَلِ الَّذِي فِيهِ السُّمُّ ، فَإِنَّهُ نَفَعَ أَوَّلَ الْأَمْرِ وَضَرَّ آخِرَهُ ، وَبِاعْتِبَارِ نِعَمِ الدُّنْيَا فَمَا يَضُرُّ أُوَلًا وَيَنْفَعُ آخِرًا نِعْمَةٌ كَالدَّوَاءِ الْمُرِّ ، وَالْخَيْرُ إمَّا مُرَادٌ لِذَاتِهِ كَرِضَى اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يُطْلَبُ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى غَيْرِهِ ، وَهَذَا لِمَنْ وَصَلَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ ، وَإِمَّا لِغَيْرِهِ كَطَلَبِ رِضَاهُ لِئَلَّا يُحْرِقَهُ بِالنَّارِ ، وَكَالْمَالِ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ ، وَإِمَّا لِذَاتِهِ وَلِغَيْرِهِ كَالصِّحَّةِ وَالسَّلَامَةِ تُقْصَدُ لِيُوصَلَ بِهَا إلَى الْعِبَادَةِ الْمُوصِلَةِ إلَى اللَّهِ ، وَلِيُوصَلَ بِهَا إلَى لَذَّةِ الدُّنْيَا وَلِذَاتِهَا ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُحِبُّ السَّلَامَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا سَلَامَةٌ .
قُلْت: لَا يُتَصَوَّرُ هَذَا الْأَخِيرُ لِأَنَّهُ وَلَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْمَشْيِ مَثَلًا ، لَكِنْ يُحِبُّ سَلَامَةَ الرِّجْلِ لَعَلَّهُ يَحْتَاجُ يَوْمًا إلَى السَّفَرِ ، نَعَمْ قَدْ لَا يَكْرَهُ سَوَادَ مَا يَسْتُرُهُ الثَّوْبُ ، وَلَوْ كَانَ لَا يَظْهَرُ لِغَيْرِهِ وَأَمِنَ مِنْ ظُهُورٍ ، وَيَكُونُ غَيْرُهُ يَكْرَهُهُ فَذَلِكَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الطَّبَائِعِ وَالْأَغْرَاضِ ، وَيُقَالُ أَيْضًا: الْخَيْرُ إمَّا نَافِعًا أَوْ لَذِيذًا أَوْ جَمِيلًا ، فَالْأَوَّلُ مَا يُنْفَعُ بِهِ ، وَالثَّانِي مَا فِي الْحَالِ ، وَالثَّالِثُ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَيُقَالُ: النِّعْمَةُ عَقْلِيَّةٌ أَوْ بَدَنِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ مَعَ بَعْضِ الْحَيَوَانِ ، أَوْ بَدَنِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ مَعَ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ