بَابٌ فِي الشُّكْرِ وَهُوَ فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا سَوَاءٌ كَانَ بِاللِّسَانِ أَوْ بِالْجَنَانِ أَوْ بِالْأَرْكَانِ ، وَمُتَعَلِّقُهُ لَا يَكُونُ إلَّا النِّعْمَةُ ، وَمَوْرِدُهُ اللِّسَانُ وَغَيْرُهُ ، وَمَعْنَى إنْبَائِهِ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ أَنَّهُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ كَذَلِكَ سَوَاءٌ ظَهَرَ فِي الْخَارِجِ أَوْ لَا ، فَإِنَّ الشُّكْرَ الْجَنَانِيَّ لَوْ عُرِفَ عُرِفَ الْمُنَبَّأُ عَنْهُ ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّهِ ظَاهِرٌ مُطْلَقًا ، وَلَا يَقْدَحُ الْجَهْلُ بِالْمُنْبَأِ عَنْهُ كَمَا لَا يَقْدَحُ فِي دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَاهُ: الْجَهْلُ بِالْوَضْعِ ، عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْرِفَ اعْتِقَادَ الشَّاكِرِ بِالْإِلْهَامِ وَنَحْوِهِ إلَّا أَنَّ فِيهِ أَنَّ التَّغَايُرَ بَيْنَ الْمُنَبِّئِ وَالْمُنْبَأِ عَنْهُ فِي الشُّكْرِ الْجَنَانِيِّ خَفْيٌ ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الِاعْتِقَادَ هُوَ التَّعْظِيمُ .
قَالَ الْغِيَاثُ فِي حَاشِيَةِ مُخْتَصَرِ السَّعْدِ"عَنْ الشَّرِيفِ فِي حَوَاشِي شَرْحِ الْمَطَالِعِ": أَنَّهُ يَعْتَبِرُ ذَلِكَ الْإِنْعَامَ عَلَى ذَلِكَ الشَّاكِرِ ، وَقِيلَ: تَقْيِيدُ الْإِنْعَامِ بِكَوْنِهِ عَلَى الشَّاكِرِ لَمْ يَثْبُتْ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ تَعَالَى شَاكِرٌ حَقِيقَةً عَلَى الْأَوَّلِ وَيَصِحُّ عَلَى الثَّانِي .
وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الشُّكْرِ بِاللِّسَانِ أَوْ الْأَرْكَانِ اعْتِقَادُ الشَّاكِرِ أَعْنِي التَّعْظِيمَ الْجَنَانِيَّ ، وَالتَّعْرِيفُ دَالٌّ عَلَيْهِ ، لَمَّا كَانَ الْبَاعِثُ عَلَى التَّعْظِيمِ الْإِنْعَامَ كَانَ هُنَاكَ تَعْظِيمٌ بَاطِنِيٌّ قَطْعًا ، ضَرُورَةَ أَنَّ الْإِنْعَامَ لَا يَكُونُ بَاعِثًا عَلَى السُّخْرِيَةِ ، وَهَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ إذَا تَعَلَّقَ قَوْلُنَا: لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا بِالْفِعْلِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ فِعْلًا صَادِرًا لِلْإِنْعَامِ لَا بِالتَّعْظِيمِ فَإِنَّ الْإِنْبَاءَ عَنْ التَّعْظِيمِ الْمُعَلَّلِ بِالْإِنْعَامِ لَا يُنَافِي السُّخْرِيَةَ ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُ الدَّوَانِيّ قُلْت وَبِتَعْلِيقٍ لِكَوْنِهِ بِالْفِعْلِ كَمَا ذَكَرَهُ يُسْقِطُ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ هَا هُنَا بَحْثًا