قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: قُلْت: بِالنِّيَّةِ تَمْيِيزُ الشَّيْءِ أَنَّهُ كَذَا ، وَأَمَّا النِّيَّةُ بِمَعْنَى الْإِخْلَاصِ وَالتَّقَرُّبِ فَتَصِحُّ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالْخُطْبَةِ ، وَإِنَّمَا مَثَّلَ بِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ لِتَمْيِيزِهَا بِصُورَتِهَا ، قَالَ: مَعَ لُزُومِ التَّسَلْسُلِ أَوْ الدَّوْرِ لَوْ تَوَقَّفَتْ النِّيَّةُ عَلَى نِيَّةٍ ، وَلِلُزُومِ التَّنَاقُضِ لَوْ تَوَقَّفَتْ الْمَعْرِفَةُ عَلَيْهَا إذْ هِيَ قَصْدُ مَا يَنْوِي وَلَا يَقْصِدُ إلَّا مَا عَرَفَ فَلَزِمَ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ اللَّهَ فَيَكُونُ عَارِفًا بِهِ غَيْرَ عَارِفٍ بِهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ ، قَالَ: وَلَا تَجِبُ فِي التُّرُوكِ إلَّا لِحُصُولِ ثَوَابِ التَّرْكِ كَتَرْكِ الزِّنَى لِأَنَّ تَرْكَ الْحَرَامِ إذَا تَرَكَهُ حَاصِلٌ بِلَا نِيَّةٍ ، وَلِتَرَدُّدِ إزَالَةِ النَّجَسِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ ، وَاخْتُلِفَ فِي شَرْطِهَا فِيهَا وَرَجَّحَ الْأَكْثَرُ عَدَمَهُ لِمُشَابَهَةِ التُّرُوكِ إذْ هِيَ أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْهَا إلَى الْفِعْلِ وَأَلْحَقُوا بِهِ غَسْلَ الْمَيِّتِ إذْ الْقَصْدُ مِنْهُ التَّنْظِيفُ وَالْخُرُوجُ مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ تَرْكٌ ، وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ تَفْرِقَةِ صَوْمِ الْمُتَمَتِّعِ ، وَاسْتَشْكَلَ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَارَ الْبُلْقِينِيُّ عَدَمَ وُجُوبِهَا فِيهِ أَيْضًا ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ الْجَمْعَ ضَمُّ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى فَهَلْ فَعَلَ حَقِيقَةً بِخِلَافِ التَّفْرِيقِ فَإِنَّهُ تَرَكَ حَقِيقَةً أَوْ أَقْرَبَ إلَى التَّرْكِ فَاتَّضَحَ مَا قَالُوهُ وَبَطَلَ مَا اخْتَارَهُ .
وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ لِأَنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ يَصْلُحُ لِلْأُولَى مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بِخِلَافِ عَكْسِهِ ، وَعِنْدَ عَدَمِ الصَّلَاحِيَّةِ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ تُمَيِّزُهُ عَنْ التَّلَاعُبِ .
قَالَ: وَمُطْلَقُ النِّيَّةِ فِي كَلَامِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي كَلَامِ السَّلَفِ وَالْعَارِفِينَ مُرَادٌ بِهَا غَالِبًا تَمْيِيزُ الْمَقْصُودِ بِالْعَمَلِ هَلْ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ ؟ أَوْ غَيْرُهُ ؟ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ ؟ فَهِيَ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى