بَابٌ فِي أَرْكَانِ الدِّينِ ذَكَرْتُ فِي مُخْتَصَرِ الْقَوَاعِدِ وَالْحَاشِيَةِ مَا نَصُّهُ: أَوَّلُ الْأَرْكَانِ الْوَاجِبَةِ الْهَالِكِ تَارِكُهَا: الِاسْتِسْلَامُ ، وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالْخُضُوعُ لِمَا سَيَقَعُ مِنْ اللَّهِ ، مَحْبُوبًا أَوْ مَكْرُوهًا بِلَا مُعَارَضَةٍ ، قُلْتُ: وَعَدَمُ الْخُرُوجِ عَمَّا وَقَعَ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحُكْمِ مِنْ اللَّهِ بِالْمُخَالَفَةِ ، وَفَاعِلُ الْكَبِيرَةِ غَيْرُ مُسْتَسْلِمٍ ، لَا فَاعِلُ الصَّغِيرَةِ وَتَارِكُ النَّفْلِ وَالثَّانِي: الرِّضَى ، وَهُوَ عَدَمُ سَخَطِ مَا وَقَعَ وَقَدَّرَهُ اللَّهُ وَتَجْوِيرِهِ وَلَوْ كَرِهَتْهُ النَّفْسُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَوْ كَانَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ مَعْصِيَةً ، لَكِنْ إنْ طَاعَةً فَالرِّضَى مِنْ حَيْثُ الِامْتِثَالُ ، أَوْ مَعْصِيَةً فَمِنْ حَيْثُ الِاجْتِنَابُ ، وَيَجِبُ بِالْقَاضِي وَالْمُقَدِّرِ وَهُوَ اللَّهُ وَبِالْقَضَاءِ وَهُوَ صِفَتُهُ وَالتَّقْدِيرِ وَهُوَ فِعْلُهُ وَبِالْمُقْتَضَى وَالْمُقَدَّرِ وَهُوَ مَا حَكَمَ بِهِ فِي الْأَزَلِ وَأَوْجَدَهُ فِي زَمَانِهِ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَمُصِيبَةٍ وَنِقْمَةٍ ، أَوْ الرِّضَى هُوَ مَحَبَّةُ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَالسُّرُورُ بِهِ وَاخْتِيَارُهُ عَلَى سِوَاهُ ، وَهَذَا غَيْرُ وَاجِبٍ ، وَهُوَ طَرِيقٌ الْتَزَمَتْهَا الصُّوفِيَّةُ وَلَا يَعْبَئُونَ بِغَيْرِهَا .
الثَّالِثُ: التَّوَكُّلُ ، وَهُوَ السُّكُونُ إلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ نِعَمِهِ أَوْ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَإِنَّهُ مِنْهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُنَافِيهِ الْكَسْبُ لِأَنَّهُ بِالْقَلْبِ وَالْكَسْبَ بِالْجَوَارِحِ ، وَلَا يَتَنَافَى شَيْئَانِ فِي مَحِلَّيْنِ ، وَمَنْ جَلَبَ نَفْعًا أَوْ دَفَعَ ضُرًّا بِلِسَانِهِ أَوْ يَدِهِ مَثَلًا أَوْ بِقُعُودِهِ فِي مَوْضِعٍ أَوْ انْتِقَالِهِ مِنْهُ مَا اطْمَأَنَّ إلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ وَعَلِمَ أَنَّهُ النَّافِعُ الضَّارُّ وَمَا سِوَاهُ أَسْبَابٌ ، بَلْ لَا يَجُوزُ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ فِي الْمَنَافِعِ الْأُخْرَوِيَّةِ بِغَيْرِ كَسْبٍ ، وَلَا الْكَسْبُ مِنْ غَيْرِ تَوَكُّلٍ ، وَإِلَّا هَلَكَ ، وَيَجُوزُ فِي الدُّنْيَوِيَّةِ بِلَا كَسْبٍ مِنْهُ وَلَا كَسْبٍ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا إذَا كَانَ تَرْكُ الْكَسْبِ