فهرس الكتاب

الصفحة 16589 من 17437

قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: فَلَوْ كَانَ فِي جِهَةٍ أَصْلٌ وَفِي أُخْرَى أَصْلَانِ قُدِّمَا جَزْمًا ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِتَعَارُضِهِمَا تَقَابُلَهُمَا عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فِي التَّرْجِيحِ ، فَإِنَّ هَذَا كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ ، بَلْ الْمُرَادُ التَّعَارُضُ بِحَيْثُ يَتَخَيَّلُ النَّاظِرُ فِي ابْتِدَاءِ نَظَرِهِ ، فَإِذَا حَقَّقَ فِكْرَهُ رَجَّحَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ } ، أَيْ مِنْ حَيْثُ الْحِلُّ وَالْحُرْمَةُ لِخَفَاءِ النَّصِّ فِيهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَنْقُلْهُ إلَّا الْقَلِيلُ ، وَلِتَعَارُضِ نَصَّيْنِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةِ الْمُتَأَخِّرِ ، أَوْ لِعَدَمِ نَصٍّ صَرِيحٍ فِيهِ ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ عُمُومٍ أَوْ مَفْهُومٍ أَوْ قِيَاسٍ ، وَبِهَذَا يَكْثُرُ اخْتِلَافُ إفْهَامِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ ، أَوْ لِاحْتِمَالِ الْأَمْرِ فِيهِ لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ وَالنَّهْيِ لِلْكَرَاهَةِ وَالْحُرْمَةِ أَوْ لِنَحْوِ ذَلِكَ ، وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ فِي الْأُمَّةِ مِنْ عَالِمٍ يُوَافِقُ الْحَقَّ قَوْلُهُ فَيَكُونُ هُوَ الْعَالِمَ بِهَذَا الْحُكْمِ وَغَيْرُهُ يَكُونُ الْأَمْرُ مُشْتَبِهًا عَلَيْهِ ، وَخَرَجَ بِالْحَيْثِيَّةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا عِلْمُهُمْ مِنْ حَيْثُ إشْكَالِهِمْ لِتَرَدُّدِهِنَّ بَيْنَ أُمُورٍ مُحْتَمَلَةٍ لِأَنَّ عِلْمَ كَوْنِهِنَّ مُشْتَبِهَاتٍ يَسْتَلْزِمُ عِلْمَهُنَّ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ ، أَمَّا النَّادِرُ مِنْ النَّاسِ وَهُمْ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فَلَا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ مِنْ أَيِّ الْقِسْمَيْنِ هُوَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ اسْتِصْحَابٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَإِذَا تَرَدَّدَ شَيْءٌ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ اجْتَهَدَ فِيهِ الْمُجْتَهِدُ وَأَخَذَ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ فَيَصِيرُ مِثْلَهُ .

وَقَدْ يَكُونُ دَلِيلُهُ غَيْرَ حَالٍّ عَنْ الِاحْتِمَالِ فَيَكُونُ الْوَرَعُ تَرْكَهُ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ: { فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ } إلَخْ ؛ وَمَا لَمْ يَظْهَرْ لِلْمُجْتَهِدِ فِيهِ شَيْءٌ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى اشْتِبَاهِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعُلَمَاءِ وَغَيْرِهِمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت