إنَّمَا خَلَقْتُ الْخَلْقَ لِيَرْبَحُوا عَلَيَّ وَلَمْ أَخْلُقْهُمْ لِأَرْبَحَ عَلَيْهِمْ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا إلَّا جَعَلَ لَهُ مَا يَغْلِبُهُ ، وَجَعَلَ رَحْمَتَهُ تَغْلِبُ غَضَبَهُ } ، وَفِي الْخَبَرِ: { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي } ، وَفِي الْخَبَرِ: { لَوْ عَلِمَ الْخَلْقُ سَعَةَ رَحْمَةِ اللَّهِ مَا أَيِسَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ } ، { وَلَمَّا تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْله تَعَالَى: إنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ } حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ فِي سَفَرٍ أَوَانَ الظَّهِيرَةِ قَالَ أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ هَذَا ؟ يَوْمَ يُقَالُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ كَمْ ؟ فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ ، وَوَاحِدٌ إلَى الْجَنَّةِ فَأَبْلَسَ الْقَوْمُ أَيْ: أَيِسُوا وَجَعَلُوا يَبْكُونَ وَتَعَطَّلَ يَوْمُهُمْ عَنْ الِاشْتِغَالِ وَالْعَمَلِ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا لَكُمْ لَا تَعْمَلُونَ ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَشْتَغِلُ بَعْدَمَا حَدَّثْتَنَا بِهَذَا ؟ فَقَالَ: كَمْ أَنْتُمْ فِي الْأُمَمِ: إنَّ تَاوِيلَ وَتَارِيسَ وَمَنْسِكًا وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أُمَمٌ لَا يُحْصِيهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، إنَّمَا أَنْتُمْ فِي الْأُمَمِ كَالشَّعْرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ ، وَكَالرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ ، تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَتِسْعُ مِائَةٍ مِنْهُمْ إلَى النَّارِ ، وَوَاحِدٌ مِنْكُمْ إلَى الْجَنَّةِ .
فَانْظُرْ كَيْفَ يَسُوقُ النَّاسَ بِسِيَاطِ الْخَوْفِ أَوَّلًا وَلَمَّا خَرَجَ بِهِمْ ذَلِكَ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ إلَى إفْرَاطِ الْيَأْسِ دَاوَاهُمْ بِدَوَاءِ الرَّجَاءِ وَرَدَّهُمْ إلَى الِاعْتِدَالِ وَالْقَصْدِ ، وَلَا تَنَاقُضَ ، لَكِنْ ذَكَرَ الشِّفَاءَ أَوَّلًا فَأَتَمَّهُ بِالدَّوَاءِ لَمَّا احْتَاجُوا لِلْعِلَاجِ ، وَهَكَذَا يَعِظُ الْوَاعِظُ ،