بَابٌ فِي وُجُوبِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ الْخَوْفُ هُنَا الْإِشْفَاقُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَضِدُّهُ الْأَمْنُ ، وَالرَّجَاءُ الطَّمَعُ وَضِدُّهُ الْيَأْسُ ، وَهُمَا يَثْبُتَانِ فِي الْقَلْبِ بِعَدَمِ الْأَمْنِ فِيهِ وَالْخَوْفُ زَاجِرٌ عَنْ الْمَعْصِيَةِ لِلْعِقَابِ عَلَيْهَا ، وَالرَّجَاءُ دَاعٍ إلَى الطَّاعَةِ لِلثَّوَابِ عَلَيْهَا ، وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ: أَنَّ الْخَوْفَ رِعْدَةٌ تَحْدُثُ فِي الْقَلْبِ عَنْ ظَنِّ الْمَكْرُوهِ يَنَالُهُ وَالْخَشْيَةُ نَحْوُهُ ، لَكِنْ تَقْتَضِي ضَرْبًا مِنْ الِاسْتِعْظَامِ وَالْمَهَابَةِ ، وَضِدُّ الْخَوْفِ: الْجُرْأَةُ وَلَكِنْ قَدْ يُقَابَلُ بِالْأَمْنِ لِأَنَّ الْآمِنَ يَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمُقَدِّمَاتُ الْخَوْفِ أَرْبَعٌ: الْأُولَى: ذِكْرُ الذُّنُوبِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي سَبَقَتْ وَكَثْرَةِ الْخُصُومِ الَّذِينَ لَهُمْ عَلَيْكَ مَظَالِمُ وَأَنْتَ مُرْتَهَنٌ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكَ الْخَلَاصُ .
وَالثَّانِيَةُ: ذِكْرُ شِدَّةِ عُقُوبَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا طَاقَةَ لَكَ بِهَا وَالثَّالِثَةُ: ذِكْرُ ضَعْفِ نَفْسِكَ عَنْ احْتِمَالِهَا وَالرَّابِعَةُ: ذِكْرُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ مَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ ، وَالرَّجَاءُ: ابْتِهَاجُ الْقَلْبِ بِمَعْرِفَةِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِرَاحَتُهُ إلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْخَوَاطِرِ غَيْرُ مَعْذُورٍ لِلْعَبْدِ ؛ وَرَجَاءٌ هُوَ مَعْذُورٌ وَهُوَ تَذَكُّرُ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَسِعَةِ رَحْمَتِهِ ، وَالْمُرَادُ التَّذَكُّرُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِرْوَاحِ وَضِدُّهُ الْإِيَاسُ وَهُوَ تَذَكُّرُ فَوَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ وَقَطْعِ الْقَلْبِ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ ، وَهَذَا الرَّجَاءُ فَرْضٌ إذْ لَا سَبِيلَ لِلِامْتِنَاعِ مِنْ الْإِيَاسِ إلَّا هُوَ ، وَكَذَا الْخَوْفُ فَرْضٌ لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلِامْتِنَاعِ مِنْ الْأَمْنِ إلَّا هُوَ وَمُقَدِّمَاتُ الرَّجَاءِ أَرْبَعٌ: الْأُولَى: ذِكْرُ سَوَابِقِ فَضْلِهِ إلَيْكَ مِنْ غَيْرِ قَدَمٍ أَوْ شَفِيعٍ .
وَالثَّانِيَةُ: ذِكْرُ مَا وَعَدَ مِنْ جَزِيلِ ثَوَابِهِ وَعَظِيمِ كَرَامَتِهِ بِحَسَبِ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ