طُولِ الْأَمَلِ ، فَإِنْ قَصَرَ أَمَلُهُ وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ قَامُوا فِي قَلْبِهِ مَقَامَ طُولِ الْأَمَلِ ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ { الْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَةٌ } فَإِنْ انْضَافَ إلَى ذَلِكَ خَوْفُ الْفَقْرِ وَقِلَّةُ الثِّقَةِ بِضَمَانِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ قَوِيَ الْبُخْلُ لَا مَحَالَةَ ، الثَّانِي: أَنْ يُحِبَّ عَيْنَ الْمَالِ وَيَعْشَقَهُ وَيَتَلَذَّذَ بِكَنْزِهِ وَقَدْ لَا تَدْعُهُ نَفْسُهُ لِذَلِكَ أَنْ يُدَاوِيَ مَرَضَهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُزَكِّيَ وَلَوْ كَانَ يَتْرُكُ بَعْدَهُ أُلُوفًا وَلَوْ كَانَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا أَوْلَادَ لَهُ ، وَيَعْلَمُ أَنَّ مَالَهُ بَعْدَهُ يَضِيعُ وَتَأْخُذُهُ أَعْدَاؤُهُ ، فَعِلَاجُ حُبِّ الشَّهَوَاتِ بِالْقَنَاعَةِ بِالْيَسِيرِ وَالصَّبْرِ ، وَعِلَاجُ الْأَمَلِ ذِكْرُ الْمَوْتِ ، وَعِلَاجُ الِالْتِفَاتِ إلَى الْوَلَدِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْمُتَكَفِّلَ بِهِمْ اللَّهُ ، وَكَمْ وَلَدٍ غَنِيٍّ وَأَبُوهُ فَقِيرٌ ، وَأَنَّهُ يُعَذَّبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ وَلَدُهُ أَوْ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَأَنْ يَتَفَكَّرَ فِي شُؤْمِ الْبُخْلِ كَقِصَّةِ ثَعْلَبَةَ .
وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي هِمْيَانِ الزَّادِ إلَى دَارِ الْمَعَادِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى: { وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ } وَأَنْ يَتَفَكَّرَ فِي الْمَقْصُودِ بِالْمَالِ فَإِنَّهُ التَّعَفُّفُ بِهِ وَادِّخَارُهُ لِلْآخِرَةِ ، وَفِي نَفْرَةِ الطَّبْعِ عَنْ الْبُخَلَاءِ وَيَتَكَلَّفُ الْعَطَاءَ وَلَوْ يَسِيرًا بِتَدْرِيجٍ ، وَيَتَكَلَّفُ مُفَارَقَةَ الْمَالِ مَعَ الْجَهْدِ حَتَّى يُمِيتَ مِنْ نَفْسِهِ صِفَةَ الْبُخْلِ كَمَا أَنَّ الْعَاشِقَ يَتَكَلَّفُ زَوَالَ الْعِشْقِ بِالسَّفَرِ عَنْ الْمَعْشُوقِ قَالَ وَهْبٌ: مَنْ تَخَلَّقَ بِخُلُقٍ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ طَبِيعَتَهُ ، وَمَنْ عَرَفَ آفَةَ الْمَالِ لَمْ يَأْخُذْ إلَّا قَدْرَ حَاجَتِهِ وَلَا يُتْعِبُ نَفْسَهُ بِكَسْبِ الزَّائِدِ أَوْ إمْسَاكِهِ فَيَكُونُ كَمَنْ عَلَى نَهْرٍ لَا يَبْخَلُ بِالْمَاءِ لِقَنَاعَتِهِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ ، وَحُمِلَ إلَى مَلِكٍ مِنْ الْمُلُوكِ قَدَحٌ مِنْ فَيْرُوزَجِ مُرَصَّعٍ بِالْجَوَاهِرِ لَمْ يُرَ لَهُ نَظِيرٌ فَفَرِحَ بِهِ