الْقَلْبِ دُخَانٌ مُظْلِمٌ إلَى الدِّمَاغِ يَسْتَوْلِي عَلَى مَعَادِنِ الْفِكْرِ وَرُبَّمَا تَعَدَّى إلَى مَعَادِنِ الْحِسِّ فَتُظْلِمُ عَيْنَاهُ وَتَسْوَدُّ عَلَيْهِ الدُّنْيَا بِأَمْرِهَا وَيَكُونُ دِمَاغُهُ عَلَى مِثَالِ كَهْفٍ أُضْرِمَتْ فِيهِ نَارٌ فَاسْوَدَّ وَجْهُهُ وَحَمِيَ مُسْتَقَرُّهُ وَامْتَلَأَتْ بِالدُّخَانِ جَوَانِبُهُ وَكَانَ فِيهِ سِرَاجٌ ضَعِيفٌ فَالسَّفِينَةُ فِي مُلْتَطَمِ الْأَمْوَاجِ عِنْدَ اضْطِرَابِ الرِّيَاحِ أَحْسَنُ حَالًا وَأَرْجَى سَلَامَةً مِنْ النَّفْسِ الْمُضْطَرِبَةِ غَيْظًا لِأَنَّ فِي السَّفِينَةِ مَا يُحْتَالُ لِتَسْكِينِهَا وَأَمَّا الْقَلْبُ فَهُوَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ .
وَقَدْ سَقَطَتْ حَمْلَتُهُ إذَا أَعْمَاهُ الْغَضَبُ وَأَصَمَّهُ ، وَرُبَّمَا تَقْوَى نَارُ الْغَضَبِ فَتُفْنِي الرُّطُوبَةَ الَّتِي بِهَا حَيَاةُ الْقَلْبِ فَيَمُوتُ صَاحِبُهُ غَيْظًا كَمَا تَقْوَى النَّارُ فِي الْكَهْفِ فَيَتَشَقَّقُ وَتَنْهُدُ أَعَالِيهِ عَلَى أَسَافِلِهِ ، وَرُبَّمَا دَعَا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ فَيُصَادِفُ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ فَيُسْتَجَابُ لَهُ قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: { سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ فَتَلَدَّنَ عَلَيْهِ بَعْضَ التَّلْدِينِ ، فَقَالَ لَهُ: سِرْ لَعَنَكَ اللَّهُ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْزِلْ عَلَيْهِ فَلَا يَصْحَبُنَا مَلْعُونٌ لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةَ إجَابَةٍ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ } وَأَمَّا الَّذِي بِتَفْرِيطٍ فَهُوَ الَّذِي ضَعُفَ ثَوَرَانُ الْقَلْبِ فِيهِ وَقَدْ يَفْقِدُهُ الْإِنْسَانُ رَأْسًا وَكُلًّا وَفَقْدُهُ مَذْمُومٌ وَيُقَالُ: لَا حَمِيَّةَ لَهُ تَجِبُ مُعَالَجَتُهُ لِيَغْضَبَ لِلْحَرِيمِ وَالدِّينِ وَحَيْثُ يَجِبُ قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ اُسْتُغْضِبَ وَلَمْ يَغْضَبْ فَهُوَ حِمَارٌ ، وَمَنْ اُسْتُرْضِيَ وَلَمْ يَرْضَ فَهُوَ شَيْطَانٌ .
وَأَمَّا الَّذِي بِاعْتِدَالٍ فَهُوَ الْغَضَبُ الَّذِي يَنْتَظِرُ فِيهِ إشَارَةَ الْعَقْلِ وَالدِّينِ فَيَشْتَدُّ عِنْدَ