فهرس الكتاب

الصفحة 15837 من 17437

وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْغَضَبِ مِنْ الْفَسَادِ تَغَيُّرُ ظَاهِرِ الْبَدَنِ وَارْتِعَادُ أَطْرَافِهِ وَخُرُوجُ أَفْعَالٍ عَنْ الِاعْتِدَالِ وَاضْطِرَابُ حَرَكَتِهِ وَكَلَامِهِ وَتَزَبُّدُ أَشْدَاقِهِ وَاعْوِجَاجُ أَعْضَائِهِ وَاسْتِحَالَةُ خَلْقِهِ حَتَّى لَوْ رَأَى نَفْسَهُ لَسَكَنَ غَضَبُهُ حَيَاءً مِنْ قُبْحِ صُورَتِهِ وَلَوْ كُشِفَ لَهُ عَنْ بَاطِنِهِ لَرَآهُ أَقْبَحَ مِنْ ظَاهِرِهِ فَإِنَّهُ عِنْوَانُهُ النَّاشِئُ عَنْهُ وَيَنْطِقُ لِسَانُهُ بِالشَّتْمِ وَالْقَبِيحِ مِمَّا يَسْتَحِي مِنْهُ لَوْ زَالَ غَضَبُهُ وَيَبْطِشُ بِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ وَإِلَّا رَجَعَ عَلَيْهِ غَضَبُهُ فَيُمَزِّقُ ثَوْبَهُ وَيَلْطِمُ وَجْهَهُ وَيَضْرِبُ يَدَهُ بِالْأَرْضِ وَالصِّغَارِ وَالدَّوَابِّ وَيَعْدُو كَالْوَلْهَانِ وَالْمَجْنُونِ وَيَثِبُ مِنْ مَجْلِسِهِ كَالنَّمِرِ وَيَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا كَالْقِرْدِ بِسُرْعَةٍ وَلَا يَفْهَمُ مَا يُلْقَى إلَيْهِ كَالْبَهِيمَةِ وَلَا يُنْصِتُ إلَى مَنْ يَعِظُهُ كَأَنَّهُ أَحْمَقُ وَرُبَّمَا قَوِيَتْ عَلَيْهِ نَارُ الْغَضَبِ فَأَطْفَأَتْ بَعْضَ حَرَارَتِهِ الْغَرِيزِيَّةِ فَيُغْشَى عَلَيْهِ ، وَإِنْ أَعْدَمَتْهَا كُلَّهَا مَاتَ لِوَقْتِهِ .

وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِ مَرْوَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَلَامٌ مَعَ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ فَعَجَّلَ عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ فَقَالَ: يَا مَنْ يَلْحَقُ أُمَّهُ فَفَتَحَ فَاهُ لِيُجِيبَهُ فَأَمْسَكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى فِيهِ وَرَدَّ كَلَامَهُ ، وَقَالَ يَا ابْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخُوكَ وَإِمَامُكَ ، فَقَالَ: قَتَلْتنِي يَا أَبَا حَفْصٍ ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعْتُ بِكَ ؟ فَقَالَ: رَدَدْتَ فِي جَوْفِي أَحَرَّ مِنْ الْجَمْرِ ، فَمَالَ لِجَنْبِهِ فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ فَإِنَّ الْغَضَبَ إمَّا بِإِفْرَاطٍ أَوْ بِتَفْرِيطٍ أَوْ بِاعْتِدَالٍ فَهَذَا الَّذِي يَصِلُ بِهِ الْمَوْتَ أَوْ يَكَادُ أَوْ يَخْرُجُ مِنْ سِيَاسَةِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ هُوَ الَّذِي بِإِفْرَاطٍ ، وَرُبَّمَا زَادَهُ الْوَعْظُ غَمًّا فَإِنْ رَاجَعَ نَفْسَهُ لَمْ يَنْطَفِئْ نُورُ عَقْلِهِ بِدُخَانِ الْغَضَبِ فَإِنَّ مَعْدِنَ الْفِكْرِ الدِّمَاغُ وَيَتَصَاعَدُ عِنْدَ شِدَّةِ الْغَضَبِ مِنْ غَلَيَانِ دَمِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت